الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

لبؤة

ينتفض من النوم , بعد ذلك تأتي كل حركة بآلية قد اعتاد عليها. يحاول الحفاظ على الصمت حوله و ينصت جيدا, يثني ظهره ليصل إلى صنبور الماء ليغسل وجهه, يرفع قدميه قليلا إلى أعلى لينهي وضؤ, يطوي ركبتيه تحت جسده ليركع مرتين للسنة ثم مرتين للفرض. و هو يرتدي ملابسه تؤلمه مفاصله. يفعل كل ذلك في صمت شديد و يستمع جيدا إلى الصرير الخافت الذي تصدره مفاصله المتألمة أكثر من العادة من البرد.


يضع في فمه حبة دواء, حبة واحدة من بين حبات جيلاتينية رغوة.


يكره اسوار الحديقة, اسوار قفصه هو و آخرون مثله بقبعات قديمة متأكلة و زي يتمسك برائحة العفن. كثعبان استنفذ جلد قديم, يذهب الى دورة المياة و يتخلص من طبقة تلو الاخرى من كومة الملابس الذي يرتديها وقاية من البرد. يتوقف عند الطبقة المناسبة, ثم يرتدي قميصه و بنطاله الكحليين, فيختفي تحت طبقة كحلية تشببه كثيرا – قد مر على ميعاد احالتها على المعاش وقت طويل.


عشر سنوات و بضعة ايام.


يأخذ حقيبته الصغيرة ذات الثقب الكبير و يتجه الى قططه. فهو بدل من أن يجلس تحت النافذة يحتسي الشاي و تأتي له القطة, يركب ثلاث مواصلات و يذهب لها هو.



تقابله الرائحة كزائر قديم قد اعتادت وجوده فلا تفترش الأرض ورود. الصيف بزأريه الكثيرون المزعجون انتهى و بد شتاء بزوار أقل. قططته بفرأها القذر و زئيرها المثير للشفقة تنتهي و يأتي غيرها. و اليوم ككل يوم ينتهي فيكون كخطوة أخرى نحو نهاية ما

أو ربما بداية لشئ اخر غير يوم جديد.


تأكل اللبؤة الوحيدة قطعة من اللحم البنفسجي بسرعة و لا تنتظر واحدة أخرى. تبدو بفرأها الأصفر المتسخ كواحدة من تلك الحيوانات على ملصقات الرأفة بالحيوان و حظر الصيد البري. يختفي طعامها كما أختفت الايام التي كانت تترك الطعام في مكانه. ثلاثة أيام تركت اللحم و جلست في الركن الايسر من زنزانتها بكبرياء لتعطي فرصة لرائحته النتنة لتطير في الهواء بثقل و تخبط انوف جيرانها. بعد ثلاثة أيام أكلتها و انضمت إلى حزب المغلوبين على آمرهم.


حزب ينتمي اليه الكحلي المجّرب و الاصفر المتسخ و اصحاب المعاطف الحمراء الطويلة.


أتت المرأة لاول مرة منذ سنون, كسرت عادة و بدأت اخرى, لم تعد تستيقظ متأخرا على رنين هاتف و توبيخ سمعته كثيرا, تستيقظ على رنين تحدد هي ميعاده. تغلق آذنيها جيدا في وجه كل كلامه لأنها ملت انتظار الكلمتين الوحيدتان اللتان لن ينطق بهما. و مع ذلك تنتظر الكلمتين. ليمر وقت الانتظار, أحيانا تعبر في الصباح أسوار خضراء متسخة و تجلس في مكان جديد تكتشف أشياء لم ترها من قبل. تعبر الأسوار ملتحفة بمعطف احمر كبير عليها, تززه كله, 20 زر بعد أن أضافت أزرار ليكون شرنقتها, تاركا نصف رجليها بعد ركبتيها عاريتين. و تحته لا ترتدي شئ إلا ملابسها الداخلية.

اليوم, سوتيان بيج و كيلوت اسود بفراشات وردية.


في بيت الأسود يجلس الحارس على مؤخرته محتضنا ركبتيه, ينتظر زائريه. احيانا يرفع راسه ليكلم اصحاب الاقفاص فيجدهم شاردين, جالسون في صمت او يتحركون في خطوات قليلة بطيئة في المساحة التي عينت لهم. يمر الوقت, يفكر في كوب شاي آخر لكنه لا يتحرك من البقعة التي عينها لنفسه.


تتحرك اللبؤة داخل القفص كأنها تستكشفه للمرة الاولى.تتوقف احيانا لتشم شئ ما او عندما تسمع صوت غير مألوف و لوهلة تسقط اشعة الشمس المنحنية على وجهها لتضئ اجزاء من فرأها لم تتسخ كثيرا, لم يحين دورها بعد. يبقى جزء من وجهها افتح و انظف من باقيه كأنه جزء من وجه لبؤة اخرى جلست يوم ما في مكان أخر.


تغطي اكمام المعطف كفي المرأة حتى اطراف اصابعها, اطعمت البط و الاوز و اتجهت نحو مكان لم تزره بعد. لا تحمسها اليافطة المكسورة المشيرة الى "بيت الاسود" فلا تشعر بخيبة الامل عندما تصل الى مبنى فديم تفوح منه رائحة اشياء انتهت و لم تحلل بعد. بدت لها العظمة الوهمية للبيت كمزحة سخيفة. دخلت و جلست امام قفص الانثى الوحيدة.


قام من جلسته و اقترب من الاقفاص,تمنى لزائرته الاولى صباح برائحة الفل.


انتبهت لدخول احد غير صاحبها فتوقفت بعد أن اكملت نصف دائرة في القفص و استدارت للتفحص الدخيلة.


جلست في صمت, في عيناها نظرة انبهار بكل ما يحوطها. استكانت عيناها الواسعتين على اللبؤة.


ينتظر الحارس بضع دقائق و عندما يشعر أن المرأة ستبقى قليلا يذهب ليحضر قطع اللحم ليبدء العرض الذي كان ينقصه متفرج.


كانت اللبؤة – بعد ما جلست المرأة في مكانها بلا حراك – قد جلست في مواجهتها, تحرك ذيلها كالسوط لتتخلص من الذباب.


تراقب المرأة عينان اللبؤة و تحركاتها, تنظر الى الاسود الاخرون لكنها لا ترى اللمعة التي في عينان اللبؤة – التي تختفي احيانا في الظل.


عاد و وضع قطعة في كل قفص, دقائق و اختفت القطع كلها إلا قطعة واحدة. بعصاه يدفع اللحم تجاه اللبؤة و عندما لم تعره اهتماما زغدها بطرف العصا لتكشف عن أنياب صفراء و تحذره بزئير عال. وقف ينظر إلى قطته الكبيرة التي دائما لا تطاوعه فيحبها اكثر من الاخرين. بعد أن زغدها جلست بكبرياء أكثر و تجاهلته موصبة عيناها الصفراوين على المرأة التي لا تتحرك – فقط جلست واضعة يدا فوق الاخرى في حجرها و نظرت إلى اللبؤة التي فعلت ما لم تستطع فعله هي.

أبت و رفضت.


و هم في اماكنهم – سواء اختاروها ام فرضت عليهم – نظر كل منهم الى الاخر. كانوا كثالوث بلا قدسية, فقد إلوهيته و معناه. حولهم صعدت حيوات اخرى في هالة من الذكريات و الاماني. تلك اللحظة – التي بدت ابدية – لم يميزها شئ عن أي لحظة اخرى لكن لهم كانت نهاية شئ و بداية اخر.


كانت اكثر من نهاية لحظة لم تدم اكثر من ثلاثون ثانية و بداية لحظة اخرى.


ذهب ليحضر لحم لبدء عرض اخر.


تركت المرأة مقعدها محاولة أن ترفع رأسها لأعلى بدل من النظر إلى قدميها, تذكرت أن تترك جنيهان على المقعد.


عندما ذهبت المرأة, نهشت اللبؤة قطعة اللحم.