الأحد، 27 ديسمبر، 2009

ليلى



سميتها ليلى

أصل أنا بكره كل الأسامي التانية – اللولي لولي و الحتة إللي تحت و السوسو و ساعات ملهاش أسم كأنها مش موجودة من أساسه. كلها أسامي تكئب الصراحة و يا ساااااااتر على الأسم العلمي. مش هاقوله, و الله ما أنا قايلاه عشان هوه وحش أوي. رامز إبن الجيران إللي دخل كلية الطب السنة إللي فاتت هوه إللي قال لي على الكلمة دي و طلعت أبلة منى متعرفش.

بس أنا سميتها ليلى

لاييييي لااااااااا

أسم جميل و كله حركة زي تحية كريوكا و سامية جمال. مش فاكرة أنهي فيلم فكرني بالأسم بس أنا لقيتني بقول لها يا ليلى ف راحت ردت عليها. كمان أسم ليلى بيفكرني بالليل و أنا بحب الليل أوي. أجمل وقت في اليوم كله هوه الليل. الليل كله حكايات ميعرفهاش غير أنا و ليلى.

مرة هيام صحبيتي قالتلي أنها عملت زي ما قلت لها و حاولت تتعرف على ليلى بتاعتها و أمها قفشتها و نزلت تلطيش فيها وتقولها عيييييب و حرام و خطر. هيام لحقت الموضوع و قالت لأمها أنها كانت بتهرش عشان بتاكلها و راحت أمها هديت شوية و أديتها موشح. قالت لها إن دي منطقة خطرة عند البنات و أنها لما تقرب لها أو تهرشها هتبوظ و ممكن تتعور و إنه حرام عشان دي عورة. كنت هاموت و أقولها عورة إيه و النبي هوه إحنا هانمشي منغير كيلوتات؟؟ بعدين كنت عايزة أقولها أن ليلى مبتبوظ و مبتتعورش. بالعكس بقى دي ليلى بتحب الصحبة أوي و بتدفا و تنعم و تسيب نفسها ليكي خالص. بس سكت و قلت كل واحد حر في ليلى بتاعته.

سيبنا من هيام العبيطة دي, كنت لسه باحكي لليلى على هيام و حواديتها. ليلى كانت نايمة فصحتها من النوم. ناديتها...يا لاي لاااااااا يا لاي لاااااااا لحد ما قامت و حكيت لها إن هيام مكنتش تعرف الكلمة إللي بتبتدي ب كاف و سين. ليلى أتخاضت جدا و قالت لي إن عيب أوي حد يتطلع شتيمة على جسم أي حد و قالت لي كمان إن المفروض كلنا نعرف الكلام إللي بيقوله الناس على ليلى عشان نعرف نوقفه. حكيّنا أنا و ليلى شوية و غنيت لها لغايت ما نامت و جيت أدخل ف النوم أفتكرت أني معرفش أسم الحتة بتاعت الولاد و ليلى قالت لي إن المعرفة مهمة فقررت اسأل رامز.

ساعات مبعرفش أتكلم مع ليلى. متفهمونيش خلط...ليلى هي الوحيدة إللي أقدر أقولها كل حاجة بس إزاي أتكلم مع ليلى عن ليلى؟ بتكسف. أقول لها إزاي أني بحبها أوي أوي و أن هي على طول ب تملاني أحاسيس حلوة و على طول مخلياني أحس أني موجودة بجد؟ كل حاجة في ليلى حلوة. ريحتها حلوة و طازة و شكلها زي القلب الوردي إللي بيضخ دم و حياة و لونها لون قلب الوردة البلدي المندية.

مرة قلت لليلى أنها حلوة أوي أوي أوي. مصدقتنيش. مسكتلها المرايا. كانت أول مرة ليلى تشوف نفسها. بكيت مش عارفة ليه.

غير الكلام إللي بتكسف أقولها لها, ليلى تعرف كل حاجة عني. حتى لما بتروح في أجازة بحوش لها كل الحكايات و احكيها لها. زي حكاية أبلة منى إللي سمعتها بتقول لماما أن ليلى بتاعتها – بس هي قالت "تحت" – بتوجعها من جوزها عمو أشرف بالليل. ماما قالت لها تسكت و متقولش كده تاني لحد و لا حتى نفسها. محوشة الحكايا دي لليلى و ساعات بأحكي الحكايات بصوت عالي عشان أسخّن للحكايات – زي دلوقت كده – لحد ما ترجع كمان 3 أيام من الأجازة الجمس ايام إللي بتاخدها كل شهر.



http://kolenalaila.com/

مستوحى من نص "حوارات المهبل" للكاتبة المسرحية إيف إينسلر

الأحد، 13 ديسمبر، 2009

عود



يجلسا بعيدا – بعيد عن الناس يداعب الأوتار كما تراه يداعب عنقها في المنام ... يمرر أصابعه خلسة من بداية عنقها عند نهاية شعرها البني ليصل إلى كتفيها و يبدأ من جديد فهي تعشق البدايات.

بداية مداعبة الصدف المتدلي من عنقها في وتر جلدي رفيع يسقط في الممر الخمري الأملس و يتراقص مع أصابعه.

يتراقص/يدق/يتراقص/يدق/يتراقص/يدق/يتراقص

يدق و تصحو أحرف أسمه محفورة في الصدف المتلاصق بجلدها



اسمك أنت



تصحو الأحرف من منام و تحكي الكحايا على حركات كل وتر – لكل وتر حكاية و كل الحكايا تخرج منها...من داخلها...من أربع حجرات غير متساوية...في الحجرات تغزل الحكايا و تغسّلها و تصبغها بالكرمزي لتخرج حرف تلو الأخر ينادي


أنت


تحكي...يتحدث...تنادي


كلمني


يجلسا بعيدا – بعيد عن الناس في صف...هو. هي. عود...يعزف. تحكي. يغني.


كلموني تاني


يجلسا بعيدا –


عنك أنت


بعيدا عن بائعة المناديل و بائع البطاطا في ركن مفتوح لهما...ركن مفتوح يحمل رنين كل حركة من أنامله إلى السماء في حكاية. يجلسا في ركن – هو...هي...عود – يمر بينهم خيط البدايات ليمرر هو أصابعه من جديد على عنقها و تراه هي في المنام على رمل أبيض يغزف مع خرير الريح و يبقى العود كما هو بين فخذيها و بين يديه – يغني


فكروني فكروني


و لا يلاحظ أحدهما المرأة العجوز التي تفترش الأرض قبالتهم و ترمي الودع لترى عود جديد يزّين الصدف خشبه.

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

قواقع


أوقظتني رائحة مألوفة, رائحة تأتيني مع فجر كل يوم, تدغدغ انفي و توقظ حواسي و تفتح مسامي كلها لتتنفس هواء جديد. اول مرة استنشقت هذه الرائحة شلت افكاري و تجمدت اطرافي و كان صوت دقات قلبي الشئ الوحيد الذي اعلمني انني مازلت هنا. بالتدريج بدأت ائلف قدوم الرائحة لايقاظي. بدأت اشتاق اليها. كنت احبي ببطء حتى بدأت في أخذ خطواتي الاولى من تقبل غزو الرائحة لقلبي و عقلي. بعد أن كنت ابقى في السرير متكورة كجنين عملاق مغلقة عيناي, بدأت اجلس في مكاني و افتح عيناي قليلا. اخذت خطوة اخرى و قررت أن اقف عند النافذة التي تحمل الرائحة اليّ كل فجر. بعد صراع و تردد تركت نفسي لرائحتها. تركت نفسي اتبعها الى اي مكان تأخذني اليه. رفضت أن اخضع لخوفي من لقائها فارتديت فستانها الابيض المفضل و صندل جلد و لففت وشاحها القطني حول رقبتي. امسكت باللؤلؤة ااتي اهدتها اليّ لأمنع نفسي من فتح الباب بعد أن رن صدى اغلاقه في اذني.

لم تتعلم التمييز. كم حاولت أن ازرع فيها هذه العادة لكنني اعتقد أن انفها لم يعرف الانسجام مع باقي حواسها. حتى اقوى الروائح مثل المسك نادرا ما استطاعت أن تتذكر اسمها. لكنني كنت اعرف حيدا انها ستتعرف على رائحتي. استدرجتها. اعرفها جيدا. اعرف انها كانت ستتبع الاشارات لتصل اليّ. لا شئ يقهر احساس الانسان بالاحتياج. قد ملئ روحها هذا الشعور فلابد ان تأتيني لانه كان مر وقت طويل, طويل جدا.


لم اشعر بقدماي و هي تتحرك. لم تكن شريطة الصندل مربوطة حول كاحلي باحكام و كان صوتها و هي تمسح الطريق الاسفلتي الصوت الوحيد حولي. اتبعت الرائحة لتأخذني بعيدا عن الطريق الاسفلتي و العمارات و الشاليهات الخالية. خلعت الصندل من على قدماي عندما وصلت الى بداية الرمال و غمستهم في دفء الحبيبات البيضاء الناعمة. تنفست رائحة الامواج قبل رؤيتها. و عندما وصلت الى مياه البحر حاولت الامساك بالزبد الابيض الذي يولد كل ثانية من تعانق موجتين. كان الشعور بالعجز عن امساك الزبد مثل محاولاتي الفاشلة للامساك بها او ذكراها عندما تأتيني رائحتها. و كنت اعرف جيدا أن قدومي الى هذا المكان لم يكن الا أخر هذه المحاولات.

انا التي علمتها المشي بقدمين حافيتيين على الرمال. لم تقتنع أول مرة رأتني أفعل ذلك, لكنني كنت أمل أن تجرب مرة واحدة لتعرف هذا الاحساس. اشعر بخوفها من اتباع رائحتي لانها دوما تفضل الهروب. لكنني اشعر أن شوقها اليّ لن يبعدها اكثر من ذلك. اشتاق الى احتضانها اكثر من اي شئ.


كان المشي على الشاطئ معها يختلف عن المشي للبحث عنها. بدات الشمس في الظهور و شعرت باشعتها المتوهجة على جلدي. كانت السماء خليط من الابيض و السماوي و الزهري. لم تتركني رائحتها. تتبعت خطواتنا معا و اخذت في التقاط القواقع كما كنا نفعل دوما. وجدت قواقعنا المفضلة بسهولة عن غير عادة. وجدت واحدة بعد كل بضع خطوات, كل واحدة تؤدي الى الاخرى. اتبعت القواقع لأرى الى اين تأخذني.

كانت تجمع القواقع من صغرها. كانت تضعهم على اذنها و تسمع بتركيز ثم تضع شفاها عليهم و تهمس باسرار و حكايات. سألتها و هي صغيرة بماذا تذكرها القواقع فأجبتني بجد شديد "بيكي". سألتها و أنا اضحك كيف؟ شرحت لي و هي خائفة أن اكون اسخر منها أن إلتوئات القواقع تذكرها بتموجات شعري. عندما اصبحت امرأة تأخد اولى خطواتها في الحياة سألتها نفس السؤال. صمتت. رأيت نفس الخوف, الخوف من أن اسخر من افكارها لانها طفولية كما اسمتها. رمقتها بنظرة تعرف معناها جيدا فاجابتني: المرأة. بدون أن اسألها شرحت لي لماذا. قالت لي بصوت مرتجف أن المرأة مثل القوقعة, يمر بها أناس كثيرون متجاهلينها, وإن راؤها لا يروا الا جمالها الخارجي فقط, فلا ينظروا اليها على انها رحم و سكن لكائن ما و انها تعرف اسرار لا يعرفها احد و تهمس بها لكن لا يستمع احد.


مررت بمراكب صيد مقلوبة و صيادون يدفعون بمركبهم الى ما بعد الافق. يتحركون كجسد واحد. اتذكر كم مررنا بصيادون يدخلون الى البحر و اخرون و هم يخرجون و معهم شباك تنبض بانواع و احجام من السمك. فرضت عليّ ذاكرتي أن اتسأل اذا كانوا نفس الصيادون. تجاهلت الاسماك الصغيرة التي تركوها على الرمال و اخذت امشي لا اعرف الى اين, متبعة رائحة تسكرني بذكريات وددت لو نسيتها و كمية لا بأس بها من كلمة "لو".

اخذتها لنصتاد مرة واحدة فقط و بعد ذلك اعدلنا عن الصيد. تركناه الى من اتقنوه و اتخذوا منه عمل يومي. فكانوا لنا كآلهة قادرون على فعل ما عجزنا او ما تكاسلنا عن فعله. دائما ما كانت تقف لتجمع الاسماك الصغيرة من على الرمال لتطعمها للقطة السوداء التي كانت تسكن اسفل البناية. كانت دائما تسألني لو لم نأخذ السمك ماذا سنطعم القطة؟ كنت انا اشرح لها أن "لو" لا تفيد بشئ. لكنني اعرف أن كلامي لا يفيد هذه المرة. فأنا ذهبت تاركة ورائي المئات من تلك الكلمة القصيرة.


لم اشعر بقدماي و هي تتوقف. شعرت أن عقلي قد محي تماما. كان قلبي يبعث/يرسل ارشادات الي ساقيّ بدل من عقلي. كنت و انا لا ادري قد تركت الرمال و كنت امشي على طين حديقة لا اعرفها. كان وجود شجرة المانجو الصغيرة وسط الزهور و النخل الصغير غريب. في أي يوم أخر كنت سأندهش لوجدها. لكنني كنت اتوقع وجودها اليوم. و حتى لو كانت اختفت بعد ذلك لن اندهش.
جلست بجانب الشجرة و حفرت حفرة صغيرة بأصابعي. خلعت اللؤلؤه من حول رقبتي و وضعتها في الحفرة. وضعت على اذني قوقعة كنت التقطها و أنا امشي. استمعت بكل حواسي. و عندما توقف الهمس الدافئ وضعتها مع اللؤلؤة و غطيتهم بالطين ثم قبلته. أخذت بعض منه في اصابعي و وضعتهم في فمي. تذوقف طعمه من جديد و ابتلعته ببطء.

الأن فقط تعرف السكينة. لن تسألني بين اهاتها و هي تشهق لماذا رحلت. لن تبكي و هي تأكل حبة مانجو بعد الأن و لن تغضب من نفسها لانها اوقعت شئ على ملابسها البيضاء. سألتني مرة لماذا لم اوبخها عندما تأكل الطين. لأنني كنت اعرف انها ستتوقف عن اكله يوم ما من نفسها. اكاد أن اتذوق طعم الطين الذي لم اكله منذ زمن عندما دفعني الفضول لاعرف سر حبها له. اعلمها أن القواقع تذكرني بشئ أخر, بأصابع يدها و هي تمسك بعجينة فخار لدنة لتصنع منها قلل لنشرب منها في الصيف.


لم اغسل الطين من على الفستان الذي كنت ارتديه. ذهبت الى النوم لكنني استيقظت على رائحة مسك من مبخرة جاراتي. لم انزعج. سعدت لانني تذكرت اسم الرائحة, فتركت النافذة مفتوحة.

الخميس، 3 سبتمبر، 2009

طائرات ورقية


االطاحونة الحمراء
2003
"دائما ما تقع طائراتنا خلاف ما نخطط لها لكننا نوهم انفسنا أننا أذا التقطناها و رمايناها من جديد ستقع حيثما نريد."
اتذكرين عندما قلت لي هذا؟؟ اعتقد أنني فعلته اليوم
اخذت الدراجة هذا الصباح و انطلقت, لم يكن لي اتجاة محدد لكنني لم اطيق الجلوس بالمنزل. تشاجر بابا معي البارحة قبل النوم لأنني نسيت شراء لبن كامل الدسم, اردت أن اقول له أن بكرش ككرشه فمن الافضل له أن يشرب لين خالي الدسملكنني عرضت عن الفكرة. افقت من النوم بعد الفجر بقليل لكنني بقيت في السرير و ملت برقبتي نحو زجاج النافذة فوق رأسي. أنت تعرفين أن غرفتي هي اعلى ما في المنزل و النافذة تميل بدرجة ميل السقف. كم اود لو تأتي هنا و ترين غرفتي – اعتقد أنني حينها فقط سافكر في ترتيبها قليلا. اريدك ان تنامين بجانبي في هذا الفراش, لا اريد اكثر من ذلك. كل ليلة اذهب في النوم و أنا افكر ان هذا الفراش صنع خصيصا لنا. يسعنا نحن الاثنين فقط – أنا و أنت.
لم اكمل لكي بقية رحليتي الصباحية. أنتظرت في الفراش حتى سطعت الشمس من خلف الزجاج و قررت أن هذا يوم لا يصح قضائه في المنزل. شربت القهوة في القدح الاحمر الذي تحبيه و ارتديت شورت و حذاء قديم و جاكيت واقي للماء. حتى بهذه الشمس هناك دوما احتمال للمطر.
انطلقت على الدراجة في شوارع خالية تماما لابتعد عن البيوت اكثر و اكثر حتي لم تحوطني الا حقول و حقول و حقول. كيف اصف لكي كل ذلك؟؟ لم ارغب في التقاط أي صور لانني شعرت أن الصور لن تنقل لكي الاحساس الذي ملأني و أنا ارى جيوش من زهور التيوليب تميل كلها كبساط من الاصفر و الاحمرو البرتقالي تعكس وهج الشمس و تغاير الوانها عبر ساعات النهار و الطاحونات كجبال صغيرة لا تهتز و لا تعكس أي احساس أو حركة الا آلية المراوح و هي تتحرك بالرغم منها. ذكرتني بنفسي – تلك الطاحونة التي احكي لكي عنها – تقف وحدها و تفعل ما لا تريده – وحيدة تماما الا للطاحونات الاخرى التي تبعد عنها بعدة امتار. ذكرتني الطاحونة بنفسي اكثر عندما وجدت فتاة صغيرة تقارب السادسة تجلس عند الطاحونة و تلعب بالطين و ورود التيوليب. أنا تلك الطاحونة التي من بين كل الطاحونات لها من يحبها و لم تعد وحيدة و أنت الفتاة ذات الفستان المتسخ و وحل ملتسق بأظافر يدها لكن عيناكي ليست بزرقة عيون الفتاة. اكره عيونهم الزرقاء الباردة الجامدة و اشتاق إلى عيناكي. هل قلت لكي ابدا كم اعشق عيناكي؟؟ اعشق عيناكي حتى الموت. اعشق رسمتها الضيقة و اهدابك الكثيفة الناعمة و الوهج الذي يشع منهما. اشعرتني ورود التيوليب اليوم بوهج مثل وهج عيناكي حتى شعرت أنك معي بجانبي وسط الحقل.
عندما ذهبت الفتاة تركت خلفها فراش من اوراق التيوليب على الارض. افترشتها و نظرت لاعلى لارى مروحة الطاحونة و السماء خالية من أي سحب. اتذكرين تلك الاغنية التي احبها؟؟ اغنية الطائرات؟؟ هذا ما فعلته على فراش التيوليب. غنيت الاغنية و حاولت أن اعد كم طائرة تطير كل يوم من هنا لحيث أنت الان و كم قطار يمر من هنا الى العاصمة لاصل لتلك الطائرات.
امطرت و أنا عائد الى المنزل.
شاهدت مولان روج للمرة المائة و واحد و اكتشفت كما اكتشف كل مرة أن هذا اعظم فيلم في التاريخ.
اعتقد أن افضل وسيلة لترين ما رأيت هذا الصباح هو اللجوء لعزيزك فان جوخ. اعتقد أنني اليوم فقط تفهمت نظرة الحزن التي طالما اشرتي اليها في عيونه و علمت أنني لن اكون حزينا ابدا.
احبك, احبك اكثر مما تعرفين
أبو عيون بريئة
2002
- عينيه لونها حلو أوي
- عينيه؟؟ ده أنت مركزة أوي على كده
- لأ لأ مش حكاية تركيز. هي من كتر ما هي جميلة لفتت نظري
- طيب اتكلمتي معاه؟
- اتكلمنا شوية و اكلنا بوريو
- بوريو يا فقر؟؟ رومانسي جدا البوريو
- بلاش تريقة بقى. مكنش في حاجة تانية تتاكل في الكشك و اتكلمنا و شوية و اخد الايميل بتاعي
- و بعدين؟
- و لا قبلين. عينيه حلوة اوي بقولك
- ابو عيون جريئة؟؟
- بطلي غلاسة
- و الله مابغلس. بجد ايه اللي حلو اوي كده في عينيه؟
- لونها. لونها فظيع. لونها اخضربس مش اخضر...يعني في شوية بني و شوية اصفر. شذرات اصفر. كأنها مرسومة. و واسعة أوي
- و جريئة؟؟
- لأ مش جريئة خالص. مكشوفة شوية و فيها نظرة براءة و صفاء و هوه بيشتغل. بس لأ مش جريئة. تحسيها ممكن تحرقك لو بصلك كتير.
حقول
2007
اهتز القطار هزة معتادة ارتجت معها رجة خفيفة فاستيقظت و جلست تستمع إلى شخير كل من حولها بالعربة بما فيهم هو. لم يكن في مخيلتها انها ستكون في هذه اللحظة ابدا, معه على القطار تاركين العاصمة بكل ما فيها. تراقبه و هو متكور كقط يحتمي من البرد بين ثنايا بطانية على ملامح وجهه براءة طفل نائم. اعادت التفكير في كلمات اخرى لوصفه لانها لم تقتنع بالبراءة. البراءة صفة يحملها قليلون و هي و هو لم يكونا من هؤلاء القلة. لم يضايقها هذا الاكتشاف فقد كانت تصالحت مع افتقادها البراءة و احبت هذا التغير الي طرأ عليها فجاة و أمنت أنه جزء من نضجها.
احست بثقل ساقه على ساقها فاقتربت منه اكثر و فركت ساقه بنعومة و هي تنظر خارج النافذة الى الحقول التي تركها القطار سريعا و امتداد الاخضر حتى نهاية الافق لا يقطعه الا النخل المبعثر هنا وهناك. اغمضت عيناها لدقائق و تخيلت الموقف كما لو لم يكن. لو لم تضطر أن تضع يداها في جيبها و حقيبتها و هي معه حتى لا تمدها اليه و تحضنه. لو لم تضطر استخدام خيالها حتى تشعر بجسده يطوق اليها. لو لم يكن لآخرى. و بالرغم من كل ذلك هي لم ترغب في تغير الموقف عما هو الان, عرفت أن ما بينها ليس حب انما انخذاب لذيذ لم تشعر به تجاة احد من قبل.
فتحت عيناها و نظرت الى وجهه النائم و جفنيه المحكمين على عيونه. لم تلحظ عيونه أول مرة رأته, لحظت يداه البيضاء الجميلة سريعة الحركة ثم لحظت عيونه البنية الواسعة التي تميل الى العسلي في الشمس و اهدابه الخفيفة و نظاراته التي اثارتها و اشعرتها أن احيانا ليس هناك داع للكلام. سعدت لانها في ذهنها رأت عيناه تحت جفنيه تبتسم و تلمع و تذكرها بكل ما تحب. داعبت اصابعه خلسة و تاملت وجهه و اعترفت لنفسها انه رجل جميل. اراحها الاعتراف كثيرا و اراحتها معرفة انه يراها جميلة و انها تثيره و فكرت أنه من المحتمل ان يكون اكتشافها ان هناك انواع من العشق جزء من فقدان البراءة. فكرت ان ربما اذا كان فان جوخ قد جلس أين تجلس الان و شعر ما تشعر به لأّجّل انتحاره بضعة سنوات ليكتشف هو ايضا نوع اخر.
عزيزي ثيو*
2005
"الامر لا يقتصر على حبي لك او على رغبتي في البقاء معكي. هذا قراري و لن يتدخل به احد. اذا اردتي أن تعتقدي انني لا احبك فهذا يعود اليك لكنك تعرفين جيدا انه ليس صحيح. انا افعل ما في مصلحتي أنا و أنت و اجرح نفسي قبل أن اجرحك لكن هذا – كما قلت لك كثيرا – قراري و لن اتراجع عنه. دوما ما يحدث الخير لمن يستحقه و لهذا اعرف انك ستكونين على ما يرام.
تذكري انني احبك دائما. "
قرأت الورقة مرتين سريعا و هي تتذكر كم آلمتها أول مرة قرأتها و كيف طبعتها و تركتها في حافظتها. نظرت الى اطراف الورقة المتاكلة و الى الحبر الباهت و اكتشفت أنها لا تعرف خط يده. رأت عيناه على الورقة, عيناه التي لم تفهم منها شيئا ابدا لانها لم تراها كثيرا. حاولت تذكرها لكنها لم تتذكر الا عينه اليسرى و الندبة التي امتدت من اعلى حاجبيه حتى نهاية عينه. اخرجت خمسة جنيهات من حافظتها و اعتطها للمرأة امامها. "واحد من الخمسة لو سمحت".
فتحت النافذة قليلا و تركت الورقة تطير.
حيطة
2002
"قابليني في الحمام اللي تحت"
انتظرت خمسة دقائق ثم تبعته و وجدت باب الحمام مواربا فدفعته ببطء قبل أن تدخل. سحبها من ساعدها الايمن و اغلق الباب خلفها مباشرة و امسك يدها بلهفة ثم قبلها طويلا حتى رفعت كفيّها الى وجهه و داعبت خديه.
"أنا بحبك أوي أوي"
حملها و لففت ساقيها حوله ثم دفعها على الجدار يضمها اليه بقوة و عنف. حاولت أن تنظر في عيناه لتقولها لكنه لم يعطيها فرصة. اختبئ في شعرها و بلوزتها و رقبتها فطلبت منه التوقف و رفعت ذقته اليها.
"أنا كمان بحبك أوي"
جمدت عيناه لثواني و عرفت لحظتها ما تذكرها به عيناه, بحر بارد في الشتاء. ملأها خوف و هي تقرب ابهمها من طرف عينه و لم يرمش أو يحرك نظرته من عليها. دققت النظر في عيناه تحاول قرأتها و وجدتها كما هي دوما – خضراء و واسعة و لا تقول شيئا.
*ثيو هو أخ فينست فان جوخ الذي راسله معظم الفترات التي رسم بها

الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

لبؤة

ينتفض من النوم , بعد ذلك تأتي كل حركة بآلية قد اعتاد عليها. يحاول الحفاظ على الصمت حوله و ينصت جيدا, يثني ظهره ليصل إلى صنبور الماء ليغسل وجهه, يرفع قدميه قليلا إلى أعلى لينهي وضؤ, يطوي ركبتيه تحت جسده ليركع مرتين للسنة ثم مرتين للفرض. و هو يرتدي ملابسه تؤلمه مفاصله. يفعل كل ذلك في صمت شديد و يستمع جيدا إلى الصرير الخافت الذي تصدره مفاصله المتألمة أكثر من العادة من البرد.


يضع في فمه حبة دواء, حبة واحدة من بين حبات جيلاتينية رغوة.


يكره اسوار الحديقة, اسوار قفصه هو و آخرون مثله بقبعات قديمة متأكلة و زي يتمسك برائحة العفن. كثعبان استنفذ جلد قديم, يذهب الى دورة المياة و يتخلص من طبقة تلو الاخرى من كومة الملابس الذي يرتديها وقاية من البرد. يتوقف عند الطبقة المناسبة, ثم يرتدي قميصه و بنطاله الكحليين, فيختفي تحت طبقة كحلية تشببه كثيرا – قد مر على ميعاد احالتها على المعاش وقت طويل.


عشر سنوات و بضعة ايام.


يأخذ حقيبته الصغيرة ذات الثقب الكبير و يتجه الى قططه. فهو بدل من أن يجلس تحت النافذة يحتسي الشاي و تأتي له القطة, يركب ثلاث مواصلات و يذهب لها هو.



تقابله الرائحة كزائر قديم قد اعتادت وجوده فلا تفترش الأرض ورود. الصيف بزأريه الكثيرون المزعجون انتهى و بد شتاء بزوار أقل. قططته بفرأها القذر و زئيرها المثير للشفقة تنتهي و يأتي غيرها. و اليوم ككل يوم ينتهي فيكون كخطوة أخرى نحو نهاية ما

أو ربما بداية لشئ اخر غير يوم جديد.


تأكل اللبؤة الوحيدة قطعة من اللحم البنفسجي بسرعة و لا تنتظر واحدة أخرى. تبدو بفرأها الأصفر المتسخ كواحدة من تلك الحيوانات على ملصقات الرأفة بالحيوان و حظر الصيد البري. يختفي طعامها كما أختفت الايام التي كانت تترك الطعام في مكانه. ثلاثة أيام تركت اللحم و جلست في الركن الايسر من زنزانتها بكبرياء لتعطي فرصة لرائحته النتنة لتطير في الهواء بثقل و تخبط انوف جيرانها. بعد ثلاثة أيام أكلتها و انضمت إلى حزب المغلوبين على آمرهم.


حزب ينتمي اليه الكحلي المجّرب و الاصفر المتسخ و اصحاب المعاطف الحمراء الطويلة.


أتت المرأة لاول مرة منذ سنون, كسرت عادة و بدأت اخرى, لم تعد تستيقظ متأخرا على رنين هاتف و توبيخ سمعته كثيرا, تستيقظ على رنين تحدد هي ميعاده. تغلق آذنيها جيدا في وجه كل كلامه لأنها ملت انتظار الكلمتين الوحيدتان اللتان لن ينطق بهما. و مع ذلك تنتظر الكلمتين. ليمر وقت الانتظار, أحيانا تعبر في الصباح أسوار خضراء متسخة و تجلس في مكان جديد تكتشف أشياء لم ترها من قبل. تعبر الأسوار ملتحفة بمعطف احمر كبير عليها, تززه كله, 20 زر بعد أن أضافت أزرار ليكون شرنقتها, تاركا نصف رجليها بعد ركبتيها عاريتين. و تحته لا ترتدي شئ إلا ملابسها الداخلية.

اليوم, سوتيان بيج و كيلوت اسود بفراشات وردية.


في بيت الأسود يجلس الحارس على مؤخرته محتضنا ركبتيه, ينتظر زائريه. احيانا يرفع راسه ليكلم اصحاب الاقفاص فيجدهم شاردين, جالسون في صمت او يتحركون في خطوات قليلة بطيئة في المساحة التي عينت لهم. يمر الوقت, يفكر في كوب شاي آخر لكنه لا يتحرك من البقعة التي عينها لنفسه.


تتحرك اللبؤة داخل القفص كأنها تستكشفه للمرة الاولى.تتوقف احيانا لتشم شئ ما او عندما تسمع صوت غير مألوف و لوهلة تسقط اشعة الشمس المنحنية على وجهها لتضئ اجزاء من فرأها لم تتسخ كثيرا, لم يحين دورها بعد. يبقى جزء من وجهها افتح و انظف من باقيه كأنه جزء من وجه لبؤة اخرى جلست يوم ما في مكان أخر.


تغطي اكمام المعطف كفي المرأة حتى اطراف اصابعها, اطعمت البط و الاوز و اتجهت نحو مكان لم تزره بعد. لا تحمسها اليافطة المكسورة المشيرة الى "بيت الاسود" فلا تشعر بخيبة الامل عندما تصل الى مبنى فديم تفوح منه رائحة اشياء انتهت و لم تحلل بعد. بدت لها العظمة الوهمية للبيت كمزحة سخيفة. دخلت و جلست امام قفص الانثى الوحيدة.


قام من جلسته و اقترب من الاقفاص,تمنى لزائرته الاولى صباح برائحة الفل.


انتبهت لدخول احد غير صاحبها فتوقفت بعد أن اكملت نصف دائرة في القفص و استدارت للتفحص الدخيلة.


جلست في صمت, في عيناها نظرة انبهار بكل ما يحوطها. استكانت عيناها الواسعتين على اللبؤة.


ينتظر الحارس بضع دقائق و عندما يشعر أن المرأة ستبقى قليلا يذهب ليحضر قطع اللحم ليبدء العرض الذي كان ينقصه متفرج.


كانت اللبؤة – بعد ما جلست المرأة في مكانها بلا حراك – قد جلست في مواجهتها, تحرك ذيلها كالسوط لتتخلص من الذباب.


تراقب المرأة عينان اللبؤة و تحركاتها, تنظر الى الاسود الاخرون لكنها لا ترى اللمعة التي في عينان اللبؤة – التي تختفي احيانا في الظل.


عاد و وضع قطعة في كل قفص, دقائق و اختفت القطع كلها إلا قطعة واحدة. بعصاه يدفع اللحم تجاه اللبؤة و عندما لم تعره اهتماما زغدها بطرف العصا لتكشف عن أنياب صفراء و تحذره بزئير عال. وقف ينظر إلى قطته الكبيرة التي دائما لا تطاوعه فيحبها اكثر من الاخرين. بعد أن زغدها جلست بكبرياء أكثر و تجاهلته موصبة عيناها الصفراوين على المرأة التي لا تتحرك – فقط جلست واضعة يدا فوق الاخرى في حجرها و نظرت إلى اللبؤة التي فعلت ما لم تستطع فعله هي.

أبت و رفضت.


و هم في اماكنهم – سواء اختاروها ام فرضت عليهم – نظر كل منهم الى الاخر. كانوا كثالوث بلا قدسية, فقد إلوهيته و معناه. حولهم صعدت حيوات اخرى في هالة من الذكريات و الاماني. تلك اللحظة – التي بدت ابدية – لم يميزها شئ عن أي لحظة اخرى لكن لهم كانت نهاية شئ و بداية اخر.


كانت اكثر من نهاية لحظة لم تدم اكثر من ثلاثون ثانية و بداية لحظة اخرى.


ذهب ليحضر لحم لبدء عرض اخر.


تركت المرأة مقعدها محاولة أن ترفع رأسها لأعلى بدل من النظر إلى قدميها, تذكرت أن تترك جنيهان على المقعد.


عندما ذهبت المرأة, نهشت اللبؤة قطعة اللحم.

الأحد، 14 يونيو، 2009

بيت على البحر


لم تحب تغير خططها من اجل المناخ, فكانت تأتي - حتى في الشتاء – عندما تأخذ آي عطلات من العمل. دائما تخطط أيامها حسب أرصاد جوية لا يعرفها إلا هي.


لم يكن إلا قليل من البرودة في الهواء إلا أنها ارتدت روب كشمير ناعم فوق قميص النوم. لم تستطع النوم – من الحماس أم الملل؟ رفعت قدميها من على زجاج المنضدة الخشبية القديمة و اتجهت نحو الكاسيت لتنهي معاناته. لم يتغير مكانه منذ أن كانت ابنة سبع سنوات. أخرجت السلك من كهفه الصغير في الجدار بعد ما ضغطت على زر STOP . عادة لم تستطع التخلص منها منذ إزرق ابهمها الأيسر و هي صغيرة. تسألت عن تغير ذوقها في الموسيقى. ما الذي يدفعنا إلى الاستماع إلي موسيقى كرهناها يوم من الأيام و كره موسيقى حببنا الاستماع إليها و غنائها طوال الوقت؟ نفس الكاسيت لكن موسيقى مختلفة. بيتهوفن و باخ و موزات, استمتعت الجدران إليهما حتى وجدت هي موسيقى اكثر إزعاجا. حفرت في سنون سابقة لتتذكر إذا كان ذلك التغير مصحوب بشيء آخر غير الرغبة في الاختلاف عن أمها.



أطفأت كل الأنوار ماعدا واحد, تركت أباجورة على منضدة بجانب باب الفارندا ثم عادت إلى رف الشرائط فوق البوفيه. شريط أعطتها إياه أمها – افضل ما غنته ايلا فيتزجيرالد – بحثت عنه لتسمعه مع عمر عندما توقظه. تركت الشريط بطريقة عشوائية بجانب الكاسيت حتى لا يظن أنها فرضت عليه موسيقى لا يحبها. لماذا لا يحب ايلا فيتزجيرالد؟ غضبت من نفسها لان شئ صغير كهذا أزعجها. ذوقه في الموسيقى جزء منه, و هي لم تستمع إليها إلا من فترة قصيرة, بعد ما انتهت مرحلة الاستماع إلى موسيقى الروك. ابتسمت ابتسامة لانعكاس وجهها على زجاج الفراندا. هل كرهها لتلك الموسيقى الصاخبة ألان متصل بطلاقها من محمد؟ رتبت في رأسها أولا مراحل تغير ذوقها الموسيقي و الأسباب المحتمل أن يكون لها علاقة بتلك التغيرات قبل الإجابة على السؤال. لكنها عادت مرة اخرى إلي محمد و الموسيقى التي احبها و عزفها لها طوال الوقت. نفس الغرفة التي امتلأت يوما من الأيام بأغاني سيلين ديون الفرنسية - التي لن تفهم منها شيئا – امتلأت يوم من الأيام بالحان من جيتاره, بأغاني كتبها عن غضبه و حبه و آرائه هو.



شعرت باحتياج إلى الخروج إلى الفارندا. أزاحت الباب الالوميتال الزجاجي و دخلت حافية القدمين. لسعها الهواء ببرودته فلففت الروب حولها جيدا و ربطت شريطته كفيونكة كبيرة. انعكاس القمر على البحر كان مهزوزا, يتحرك مع حركة الأمواج الناعمة التي كانت تنتهي بوشوشة عالية رتيبة على الرمال و الصخور. قمرة – أحبت تأنيث الكلمة – في طريقها الى البدايات, إلى شريحة فضية منيرة. رأت من على بعد اقرب البيوت الى بيتها. تعجبت لكلمة بيتها و هي تتكرر داخل رأسها. يوما من الأيام كانت تقول بيتنا – قبل أن ترثه هي و اخاها. اختفت أخر أنوار البيت في زرقة الليل كشموع اطفأتها نسمة هواء قوية. الكل ينام ما عدا هي. شورت جينز و تي شيرت بيضاء و فستان قطن بورود ملونة – كانوا يرتدون صنادل جلد أهداها إليهم عمهم عند رجوعه من أمريكا. حينها لعبوا كرة مع اولاد لم يقابلوهم ثانيا. اقتربت من الزجاج لترى الساعة بالداخل بوضوح. الثالثة و النصف صباحا. لا يزال أمامها وقت لتخبز الكيكة.



استلقت على الأرض و وضعت كفيها تحت رأسها. رددت لنفسها طريقة عمل الكيكة بصوت عال كما كانت تفعل و هي صغيرة تقدم برنامجها الشهير للطهي. ضحكت لتسمع صوت ضحكتها, لم تتغير كثيرا. مازالت قصيرة و عالية و يتحرك معها جسدها كله. هي تضحك اكثر ألان, لماذا؟ لا تعرف. فقط تعرف أن منذ شهر بالتحديد, كان الصيف في أواخره و نامت هي و عمر في هذه الفرندا و تحت نفس النجوم و نفس القمر لكن بدون اللذعة الخريفية التي حملها الهواء ألان. ليلتها ضحكا كثيرا. تحفظ إيقاع ضحكته جيدا ألان, اكثر من شهر مضى. حاولت أن تصنع إيقاع في اذنيها للهواء و هو يمر بين ورقات الشجر و أي ثغرات أخرى بصفير حزين مُلح. دندنت بصوت عال أغنية لم تعرف كل كلماتها حتى وصلت للكلمات التي تعرفها ليتبع الهواء ايقاع الاغنية. "يا حلوة يا أم الضفاير, تارارارارا تارارارارا. يا حلوة يا أم الضفاير, يا حلوة يا أم الضفاااااير. تارارارارا."



لمست أطراف شعرها مفتقدة ضفائرها الطويلة. كبرت قليلا فاصباحا ضفيرة واحدة طويلة, من بدايات شعرها تأخذ خصلات صغيرة متداخلة في بعضها حتى تصل إلى منتصف ظهرها. في لحظة واحدة قصته كله. كان اسهل بكثير مما تخيلت. ذهبت إلى الكوافير و جلست شعرها مبلل ينزل من اطرافه قطرات مياة دافئة على يداها و داخل بلوزتها.

"عايزاه آلا جارسون يا عفاف." انتهت عفاف من القص و التجفيف و ظهر وجه أخر في المرآة. وجنتين بارزتين. تلألأ قرطها الفضي تحت أنوار المحل القوية. رأت حزن في سواد عيناها كانت قد تجاهلت وجوده لوقت طويل. أكثر ما آلمها هو انها لم تقصه يومها لانها دوما أرادت قصه هكذا. قصته لتغضب محمد. يكره الشعر القصير.


قامت بخفة و جلست القرفصاء بالقرب من السور. تمنت أن تتحرك الساعة الى 4 حتى تبدء في صنع الكيكة. اين وضعت الشموع؟ قررت أن تبحث عنهم بعد ما تضع الكيكة في الفرن. حاولت أن تفكر في أي شئ أخر غير قص شعرها. دائما تشعر بمذلة عندما تتذكر ما فعلته. كانت دائما تفعل اشياء كي تعاقب اناس أخرون و كل مرة فعلت فيها ذلك, انتهي الامر بزيادة آلمها هي. خبطت بأظافرها على السيراميك البارد. في الفترة الاخيرة كانت تتفاداه في المنزل. لكن ذلك اليوم تركت حقيبتها على السرير و ذهبت الى المطبخ. اخذت كوب زجاج كبير و فتحت صنور الماء البارد ليتدفق الماء في حبل الى الكوب. لحظتها تذوقت طعم حلو في الماء الفاتر. ضحك بهيستريا, اكتشفت أن علاقتهم انتهت و أن ذلك كان اسوء كوب ماء شربته في حياتها. اخرجت قدميها من الفجوات بين قضبان السور. نظرت الى اصابع قدميها – تحتاج طلاء اظافر جديد, لون صارخ و ساخن ليتماشى حالتها الأن – ربما أحمر. احمر داكن متوهج مثلها. ادخلت قدميها من بين القضبان و وقفت مستندة على السور. ارادت أن تغني بصمت عال, ارادت أن تصرخ و تبوح بما بداخلها. لثواني بدا لها القفز او محاولة الطيران الشئ الوحيد الذي ممكن أن يحررها. أخر مرة ضرخت فيها و هي في الشرفة وبخها اباها. انكمشت عيناه وسط تقلصات وجهه من الغضب. شعرت بكره غريب نحوه في تلك اللحظة. بعد موته لا تتذكر من الا ذلك الموقف. اعدلت عن الصراخ لان عمر نائم, لم ترد ايقاظته قبل أن تجهز الكيكة.


أخذت خطوة الى الخلف. استمعت الى انين الموج و ابتسمت لانها لم تصرخ. شعرت بكل الطاقة التي كانت ستطلقها مع عويلها تنبض بداخها. تحمست كما كانت تتحمس و هي تتكلم مع امها عن كتب و اصدقاء و اماكن احبتها. لم يكن عويلها صرخة آلم. كان نداء الى احد, ربما عمر, او امها. او ربما حنين الى محمد كان يراوغها احيانا. احبت كتمان النداء داخلها, كأنها تحفظه للحظة جموح تتوق اليها. تفادت تسأول اذا كان عمر بطريقة غير مباشرة هو الذي منعها من الصراخ. كرهت احساس أن رجل دفعها الى فعل شئ لم ترد فعله. فكرت في عمر غارقا وسط الوسادات و شفاه مفترقة قليلا. لم تصرخ لانها لم ترد أن تقلق نومه. هو لم يطلب منها ذلك. استدارت لتدخل الى الدفء. اعلمتها خفة في قلبها انها سكتت لانها اختارت أن تسكت, انها تحب عمر.انه اذا كان معها على الشرفة تحت هذا القمر, ملتحف بالهواء و زرقة الليل, كان صرخ معها. كان ملئ رئتيه بالهواء البارد و صرخ معها.


اخرجت كل ما تحتاجه و وضعته على طاولة المطبخ. دغدغت ذرات العرق رأسها فتركت الروب على اقرب كرسي اليها. الرابعة و الربع صباحا. قلبت البيض و السكر و الزيت حتى صار لونهم اصفر مبهج. رفعت عيناها تقائيا الى المطبقية لنفس درجة الاصفر. اطباق امها الصيني. اعتصر قلبها بموجة اشتياق اليها, الى رائحتها و الى الكيك التي طالما خبزته لهم. اضافت مزيج من الدقيق و الكاكاو و البيكنج باودر. ضحكت لانها حتى الان تخاف أن تتذوق الخليط البني اللزج قبل أن تضعه في الفرن. اكلته هي و اخاها مروان مرة و لم يكرراها ابدا – غضب امهم كان يؤلمهم اكثر من اي شئ اخر. تشاجرا عندما تزوجت محمد. اتهمها مروان بالهروب من مواجهة نفسها و تلبية رغباتها و طموحاتها. "جوازك من واحد خلاص لقى نفسه و مستعد انه يلاقيلك نفسك مش الطريقة اللي تحققي بيها ذاتك." فهمت كلامه بعد انقضاء سنوات من تصارع امرأة رسمها محمد و امرأة داخلها بدأت تسيطر على روحها و قلبها شئ بشئ. افتقدت هدوء اخاها, ستتصل به لاحقا. انزلت الخليط في شريطة سميكة في صينية مستديرة. بنفس هدوئه الذي اقنعها به و هما اطفال أنها اذا قرأت عن توت عنخ أمون ستحل بها لعنة الفراعنة, اقنعها وسط آلم الطلاق أنهما لم يقترفا اي اخطاء. كانا فقط مختلفان جدا. وضعت الصينية في الفرن و القت نظرة على الساعة لتتفقدها بعد 30 دقيقة.



غسلت الاواني التي استخدمتها و أعادت ما تبقى من الدقيق و السكر الى اماكنهم. تركت الشيكولاتة الخام على نار هادئة و انتظرت حتى تذوب. تذكرت ايلا فيتزجيرالد. هرعت الى غرفة المعيشة لتأخذ الشريط. في المطبخ, وضعته في الكاسيت الاحمر الصغير الذي تتركه دائما هناك. امها لم تطبخ الا و هي تستمع الى صوت قريب الى قلبها. هل هي فخورة بهم؟ بالرجل و المرأة اللذان كبرا و اصبحا هما؟ تعرف أن اذا كان ابوها على قيد الحياة لن تنل اعجابه. لكن حبه كان كافيا. اليس كذلك؟ نعم. قالت انفسها أن حبه كافيا. اخرجت الشموع من الدرج و وضعتهم بجانب الصحنان الصفراوين. فتحت الفرن لتخرج الكيكة و لوهلة امتزجت موسيقى الجاز الناعمة مع رائحة الشيكولاتة لتستحضر امها. هي فخورة بها و بأخاها, فخورة بعيناها الاثنين كما كانت تسميهم. نقلت الكيكة على صحن زجاجي كبير و كما فعلت امها تذوقت الصوص باصغر اصابعها. انسدل فوق القالب الاسود الساخن كشال حرير. نثرت حبات ملونة منمنة فوقه و دفست فيه كل ما عندها من شموع. ذهبت لتوقظ عمر و اخذت الروب معها.



غسلت قدميها قبل أن توقظه. هاجس من هواجسها الكثيرة. دخلت الى الغرفة و اضأت الاباجورة. بدا مستريحا وسط وسادتها الكثيرة. لعبت بخصلة من شعره, جذبتها سريعا عدة مرات حتى فتح عين واحدة. داخلها امرأة ترفض أن تريه احتياجها اليه و امرأة اخرى تعشقه و تغرقه في حبها. لحظة ما فهمها عرفت أن الحب كالاقمشة, منه خامات مختلفة. شئ بشئ احبت ملمس هذه الخامة – حريره – على جسدها و روحها. ربتت على ظهره النحيل حتى قام معها. اخذته كطفل الى المطبخ.



ضحك و قبلها. غسل وجهه عند الحوض. تمايل جسده قليلا و امسك بيدها ليلففها كراقص هاو. اعتصر خصرها تاركا نفسه لها. ايلا فيتزجيرالد لا تناسبه, لكن الليلة ليست كل ليلة. اطفأت الشموع معه و اكلا من الكيكة. فكرت في البيض و السكر و الدقيق و الزيت و الكاكاو. جزء من كل شئ ليس شئ واحد على حده, كل تلك الاشياء اضافت جزء صغير لصنع شئ اكبر و اجمل. قبّل رقبتها, "بحبك". المرأة التي يحبها اخذت بيض من احد و زيت من أخر. ربما اخذت الكثير من الكاكاو من محمد لكنه بالتأكيد كان ضروري. من امها اخذت السكر و قليل من ايقاع الجاز. اعطاها مروان من ابيض روحه. و اباها, ستعرف ما اعطاها فيما بعد – امامها وقت طويل. امسكت بيد عمر, اصابعه طويلة و نحيفة, تذكرها بالاقلام الرصاص التي تحب رائحتها. قبلت راحة يده اليمنى و لاول مرة لاحظت حسنة باهتة على اصغر اصابعه. لابد أن الحماس الذي بداخلها سببه انها عرفت استعدادها لرؤية الوان اخرى من روحها. بدأت اغنية جديدة فقفزت لترفع من صوت الكاسيت. اخذت ملعقة خشبية و غنت, الليلة, اخذت شئ صغير من ايلا فيتزجيرالد.

الخميس، 28 مايو، 2009

بلون العسل الجبلي


أول مرة تأتي إلى هذا المقهى, ترتاح لجدرانه التي تشعرها بالدفء بالرغم من كونها عارية تماما من اللوحات و البراويز. لا ترفع عيناها من على قائمة الأسعار إلا عندما يكسر صوت النادل بلورة الموسيقى الكلاسيكية التي تحوطها.
"حضرتك تشربي إيه؟"
سقطت منه النوتة الصغيرة عندما نظرت إليه. التقطتها بارتباك, طلبت قهوة.
غّير اسطوانة الموسيقى الكلاسيكية و وضع اسطوانة من اسطوانته.
"يا خرب بيت عيونك يا عليا شو حلوين"
طلب من زميله صنع القهوة حتى يذهب إلى الحمام. في الغرفة التي يغيرون بها ملابسهم أخرج كراسة رسم صغيرة و علبة ألوان رصاص من حقيبته. بأسرع ما استطاع رسم جفن و رموش و نيني واسع بقلم رصاص خفيف.
أخذ لها القهوة. "اتفضلي"
من على بعد راقبها و هي ترشف من الفنجان و تدندن.
"يا خرب بيت عيونك يا عليا شوووو حلوين."
عاد إلى الاسكتش مسرعا و بأصابع فعلت ذلك مئات المرات, تناوب في استخدام درجات البني و لونين من الزيتي و أصفر داكن. امتلأ النني سريعا حتى نبض بالحياة. ترك الجفن و الرموش لوقت لاحق.
دفعت ثمن القهوة و رحلت. تبعها بعينيه عبر زجاج المقهى واقفه على الرصيف تتكلم في الموبايل. خبطت قدمه بخاتم فضة ملقى على الأرض.
بين المارة مد يده اليمنى بالخاتم في منتصفها. نده عليها "يا عليا", "يا عليا". علا صوته, "يا آنسة."
التفتت متعجبة بعينيها الواسعتين, "ايوة؟"
قرب كفه منها حتى كان الخاتم تحت انفها مباشرة. بابتسامة هزت رأسها بالنفي و اختفت في الزحام.

الجمعة، 17 أبريل، 2009

هلال




كان الليل دافئا بشذا الزرع المبلل قرب فجر الصباح و الطريق لا يزال طويل أمامهم يحوطهم بالأخضر الذي بدا كظلال تتحرك مع الهواء في ظلمة الليل. شاهدت المشهد كله و هم لم يرونني أو حتى يشعروا بوجودي. لم يكن انحدار السيارة و انقلابها من على الطريق صدفة, كله قدر و أنا كنت أنتظر حدوثه كعادتي بصبر.


هناك أسباب, أعرف ذلك, لكننا لا نعرفها معظم الوقت. جلس مسترخيا خلف عجلة القيادة ينظر إليها أكثر مما ينظر أمامه. يشتاق إليها و هي تبعد عنه بعشر سنتيمترات لا أكثر. يركز طاقته كلها عليها, على لون شعرها و ضحكتها و جلستها بجانبه متكورة و هي تنام أو تدفع كرسيها إلى الخلف حتى تفرد ساقيها الطوليتين.



خارج النافذة كان هلال, مثل الذي تأرجح في قلادة عند نهاية عنقها. دائما ما تذكره برائحة عقاد الفل التي تستكين مع العرق على جلدها في ليالي الصيف. فك حزام الأمان و مال نحوها, أخذت رأسه في صدرها يستمع إلى دقات قلبها عبر جسدها الدافئ و بلوزتها القطنية و الحزام المحكم حولها. استدارت السيارة مرتين و اختفت رائحة الفل بعد ذلك تحت رائحة حمراء, لزجة و ثقيلة كالصمغ.



أراهم أحيانا – هي لا تزال لا تفهم, لا زالت تريد شرح لما حدث, و هو يداوي ألم جديد لم يعرف مثله من قبل. هما يعرفان أن لكل شي سبب لكن هذا اليقين لا يقلل رغبتهم في معرفته. فاليقين كالقمر, بدر أحيانا فيسد كل الثغرات أمام الشكوك و أحيانا أخرى هلال, فضي رفيع و محمل ب "لماذا؟" لا ألومهم على الشك, هذه واحدة من المرات القليلة التي أنا أيضا أتسأل فيها, كيف لم يمت هو و هي التي ظلت مرتدية الحزام؟

الجمعة، 20 مارس، 2009

سبت مشابك


جلست على المكتب, أمامها كتاب لا تستوعب منه شي, تستمع إلى دقات قلبها تتسارع مع عقرب

الثواني ثم تطفئ النور. الثانية و دقيقة تفتح الشيش لتغرق الغرفة بنسيم بارد يهز شعرها كأوراق شجر, لا تنتظر كثيرا.

عبر النافذة شرفة صغيرة يقف فيها دوما عند الميعاد ليأخذ ابتسامة تبعد عنه بمترين.

يخرج ورقة صغيرة من جيبه, يطوها جيدا و يضعها في مشبك خشب صغير, جديد لم يستخدم أحد من قبل. بحركة خفيفة يقذف المشبك ليقع عند قدميها.

"بحبك أوي أوي أوي"

تضع المشبك على المكتب و تأخذ قلمها و ورقة وردية صغيرة.

"بحبك أكتر"

تطويها و تضعها في مشبك أخر, بلاستك, و يلتقطها في كفيه. يضحك بدون صوت. يقذف كل منهم قبلة في الهواء و تغلق الشبابيك مرة أخرى.

تضئ نور الأبجورة و في هدوء تخرج من السحارة سلة بلاستكية و تضيف مشبك أخر و ورقة أخرى إلى أوراق كثيرة مطوية و مشابك كلها متشابهة, لن تصدئ و لن تنكسر.

الثلاثاء، 10 مارس، 2009



Tannoura by Samar Ali

A collection of English poetry published by Malamih now in

مكتبة البلد بشارع محمد محمود - El Balaad Bookstore, next to Cilantro, AUC campus
AUC Bookstore, Downtown
Kunst Gallery and Coffee Shop, 28A Sherief Street
Also available in Diwan and Shorouk bookstores by ordering



Violet is in the air.

Despite,

Broken vows,

Vague anger,

Yellow faces.

In spite of,

A Rootless smile,

Holding a brown leaf.



From "Hathour", a poem in Tannoura