الأربعاء، 17 ديسمبر، 2008

فراشات نوفمبر


2 نوفمبر

"طيب ممكن توصيفيهولي ؟ حاولي كده."

كرهت نظارته لأنها تخبئ طيبة عيناه, تتمنى لو عندها معطف أبيض مثله, به فتحة لتضع يدها في جيب بنطالها. سكتت لبرهة كأنها تقرر شيء مهم.

"بص هوه طويل, أطول منك..."

خالد أطول منها بقدم تقريبا, تفوح منه رائحة تبغ حلوة, لا تضايقها أبدا. أسمر سمرة خفيفة, كأنه جلس في الشمس يوما كاملا بدون قبعة. دائما يرتدي جينز مهترئ بحجة أنه مريح و يخبئ قدميه النحيفتين في أحذية "موكاسان" ناعمة و طرية كالوسادات. موسيقار, يعزف على البيانو, يعطي دروسا في مركز ثقافي لتعليم الأطفال الفنون. قابلته أمام ثلاجة أيس كريم عند حلواني صغير في وسط البلد. طلبا نفس النكهات: شيكولاتة و ليمون, "في كوباية مش بسكوت".

9 نوفمبر

"عملتي إيه الأسبوع إللي مشفناش بعض فيه؟"

"طيرنا أنا و خالد طيارة ورق..."

مشيا من الحلواني بوسط البلد إلى الحسين و من هناك ذهبا إلى حديقة الأزهر. ضحكت كثيرا عندما عرفت أن الحقيبة التي حملها معه بها طائرة كان قد صنعها لها من الورق المقوى و أغصان شجر غير متناسقة الأحجام. على هضبة واسعة بها أشجار قليلة, تركا حاجاتهم و خلعا أحذيتهم تاركين موكاسان جملي و صندل أبيض جنب بجنب.

حركت الرياح الطائرة بنعومة فوق رأسيهما و لما زادت سرعتها تركا حبل الطائرة الشفاف قليلا ليرخى من على قطعة الخشب بين يداهم. ركضا معا, يغمسان قدميهم الحافية في العشب الندي, يسابقا فراشة بجناحين صفراوين أصفر باهت مثل الأبيض. طارت الفراشة قريبا من طائرتهم الهزيلة كأنها تحاول أن تثبت أنها الأقوى.

فازت الفراشة في السباق و أثبتت أنها تخبئ أشياء أخرى تحت جناحيها. قرأت مرة في مجلة عن تلك الفراشات, حكيت لخالد و هما يرتديان أحذيتهم. هي فراشات تظهر مرتين فقط في السنة, مرة في إبريل و مرة في نوفمبر.

نظرت إليه في معطفه الأبيض, لون الفراشات أحلى. ابتسمت,

"تخيل لو تقدر تعيش مرتين."

16 نوفمبر

"شكلك مهموم النهارده. تحبي تحكيلي عن اللي مضايقئك؟"

لم يكن مرتديا معطفه الأبيض اليوم, ربما متسخ.

"أنا و خالد إتخانقنا أول إمبارح..."

ذهبا ليجلسا على كورنيش جاردن سيتي. كانت تحمل حقيبة بها طورموس شاي و كوبين و كان هو معه علبة الكيك. على المقعد الخشبي القديم جلسا يحتسيان الشاي و يأكلا كيك سادة. لففت قدمها حول قدمه من حين لأخر و عندما شعر بالبرد, أصرت أن يلف شالها حول كتفيه.

يريد أن يأتي ليقابل والديها في أقرب وقت ممكن. حاولت أن تفهمه أن هذا ليس وقت جيد لأنها مازالت تذهب إلى الدكتور خيري و ستبدأ علاج جديد الأسبوع المقبل. لا تريد أن تشغل أبويها بأكثر من ذلك ألان. ضايقه كلامها, و خاف أن تكون هذه حجة لإبعاده عنها.

من جاردن سيتي إلى سيارته في الأوبرا و طوال الرحلة في سياراته حتى منزلها في الزمالك، أقنعته أن ينتظر حتى نهاية الشهر. في ظلمة الشارع السوداء لمعت عيناهما و هما يتذوقا بعض للمرة الأولى, قبل أن تصعد للشقة.

24 نوفمبر

"هنبتدي العلاج الجديد النهاردة إن شاء الله, اتكلمت مع ماما و شرحتلها زي ما شرحتلك. قوليلي بقى عملتي إيه الأسبوع إللي فات؟"

ابتسمت, "قضيت يوم التلات مع خالد في الشغل..."

قابلته أمام مدخل المركز الثقافي الساعة 3. عرفها على حراس الأمن محمد و عاطف و على السكرتيرة مدام سناء. أخذها إلى القاعة الكبيرة التي يعلم فيها الأطفال. بسقفها العالي و الباركيه اللامع كانت كغرفة في قصر. قسمت الغرفة نصفان في ذهنها و كان البيانو الضخم الأسود في النصف الأيمن. جلست بجانب النافذة الوحيدة المفتوحة من بين ستة نوافذ طويلة, يمكنها أن تمر عبرهم دون أن تنحني. كان معها كتاب تقرأ فيه بينما ينتهي هو من عمله.

أختلست نظارات إليه بين حين و أخر و هو يجلس منحني الظهر ليكلم تلميذة أمام مفاتيح البيانو. تحركت أصابعه الطويلة مع أصابع أخرى صغيرة و مع الموسيقى اهتزت رأسه و هو يدندن, و تقع تموجات شعره البني على عيناه.

رحل أخر تلاميذه لليوم و بقيت هي و هو و البيانو في غرفة واسعة. جلست بجانبه يتكلما على إيقاع نغمات غير متناسقة. أخرج من بين ورقه نوتة موسيقية بخط يده عليها اسمها. بدأت المقطوعة هادئة و بطيئة مثلها أول مرة قابلها. ثم بدأت تسرع شيء بشيء كأنها تأخذ راحتها في الغرفة. و هي مغمضة العينان تركت حذائها تحت المقعد و وقفت في النصف الأيسر من القاعة, يتلوى جسدها مع كل مفتاح تطرقه أصابعه. انتهت المقطوعة و وقفت كأنها تملك نصف العالم بين راحة يديها كما ملكت قلبه.

1 ديسمبر

"عاملة إيه مع الدوا الجديد؟ عرفت من ماما إنك رفضتي تاخديه كام مرة كدة. إنت لسه بتشوفي خالد؟"

كرهت النظارة الجديدة اكثر مما كرهت السابقة. أغمضت عيناها, ربما لو لم تكره النظارة القديمة لبقي الحال كما هو.

"بشوفه ف كل حتة, هوه ف كل مكان و ف كل حاجة, ماشوفهوش إزاي؟"

لم تستطع النوم من الحبات الصغيرة التي تمنت لو لم تضطر أن تأخذها. أخذت منها كوابيسها و معها الأحلام. قضت أول يومان تدعو أن يكون الواقع هو الهلاوس و الهلاوس هي الواقع. كان الشهر الماضي الوقت الوحيد في حياتها التي شعرت فيه أن الحياة تستحق كل تلك المعاناة. بكت كثيرا و تذكرت القليل. لا يزال هناك, تراه أحيانا في ركن من أركان الحجرة أو على السرير. لا يتكلم أبدا. أحيانا يختفي كما اختفى ذلك اليقين أنها إذا مدت يدها لتلمسه سيغمرها دفئه.

أغمضت عيناها و تمنت لو تلاشى ديسمبر و يناير و فبراير و مارس و أصبحت في إبريل.

الأربعاء، 19 نوفمبر، 2008

شبشب مقطوع

تشعر بأنها تنصهر داخل عباءتها السوداء. لم تعد تحتمل انتظار الحافلة في هذا الزحام و هذا الجو الخانق. تؤلمها يداها من ثقل الأكياس الكثيرة التي تحملها. كانت تشعر بسخونة "الأسفلت" تخترق مطاط "شبشبها" الأخضر لتصل إلى قدميها. رأت الحافلة قادمة من بعيد, فتشبثت بالأكياس جيدا متأهبة لوصولها. أسرعت من خطوتها فبدت ككرة سوداء صغيرة تتدحرج بصعوبة. ذهب شعورها بالارتياح و هي تتسلق السلالم لصعود الحافلة عندما شعرت ب"فردة الشبشب اليمين" تتمزق و تنزلق من علي قدمها المنهكة. نزلت السلالم بصعوبة لتبحث عن الشبشب لتصلحه بعدما تتسلق مرة أخرى. بعد أن وجدته تحت أحذية كثيرة, حاولت الركض لتلحق بالحافلة التي لم تنتظرها.

________________________________________

تشتري له "شبشب" جديد في عيد زواجهما الأول. لا يبدي إعجابه أو كرهه للشبشب الأسود فتحاول أن توضح الفكرة وراء الهدية: أن يرتديه في المنزل او في المصيف و انه "ماركة". يشكرها بحرارة كاذبة و هو يقبلها. في المنزل لم يخرج الشبشب من علبته, فانتظرت حتى ينتهي الشتاء لكنه لم يظهر أيضا. قالت لنفسها انه "محوشه" للإسكندرية. ذهبوا إلى الشاطئ كل يوم لمدة شهر و لم ترى الشبشب مرة واحدة. عندما سألته عنه قال انه تمزق أول مرة ارتداه فيها. اتهمته بالكذب فتشاجرا. بعد أن تأكدت انه نائم, ذهبت إلى الدولاب و أخرجت علبة الشبشب فوجدت الفردة اليمنى ممزقة. أقنعت نفسها و هي تحاول النوم انه كان يرتديه و هي نائمة.

_________________________________________

مرت الليلي و الأيام و قلمه لا يكتب حرف واحد. امتد الشهر إلى ثلاثة و هو لا يزال يشعر بالعجز. كان ينفذ كل الأفكار التي تأتيه لتدفعه للكتابة. قرأ اكثر من المعتاد و كان يحرص علي قرأه كتب مستفزة جدا. ذهب إلى السينما كل يوم و كان يشاهد الفيلم اكثر من مرة إذا رآه ملهما. كان يزور أماكن يحبها بعد الانتهاء من العمل و عندما لم تلهمه الأماكن المحبوبة, ذهب إلى الأماكن التي يكرهها.

وعد نفسه الا يغضب. بدء ممراسة اليوحا. اشتري انواع اقلام و خامات ورق مختلفة. كل ليلة كان يستمع الي انواع موسيقي متنوعة لخلق جو ملهم.

و في هذه الليلة استمع الي ديبوسي و عمرو دياب و بروس سبرنجستين ثم الي شريط قديم من اغاني الأطفال. كان مصصم علي إخراج طاقته في شئ إيجابي فاخذ مقص ازرق صغير و بدء في قص حيوانات و اشكال مختلفة من ورق الكتابة. ثم بدء في قص انابيب الحبر. و عندما لم يشعر بأي تحسن صرخ بصوت عالي و اخذ يبحث عن شئ أخر يمزقه. وقعت عيناه علي شبشه الاحمر تحت المكتب فأخذ الفردة اليمنى و مع كل قطعة نجح في تمزيقها من الشبشب, علت ضحكته و سالت دموعه.

الاثنين، 10 نوفمبر، 2008

زيت على كانافا

محمد

بعد مرور شهور علي فراقهم، لا تزال عيناها تسيطر على أفكاره. كل شيء في حياته يستحضرها. يشعر كأن روحها تسكنه. يكاد ينطق باسمها كل مرة تفترق شفتاه ليتكلم مع أحد. عندما يجلس وحده في الليل يحاول أن يرسم، أن يخرج طاقته في شيء إيجابي. لكن كل ما يخرج من طرف قطعة الفحم هو اسمها. يكتب اسمها بخط الرقعة مرة وبالنسخ مرة أخرى، ثم يرسم وردًا أو مفتاح حياة صغير ليزخرف اسمها. يسأل نفسه لماذا تركها تذهب. يرقد في سرير غير مريح مفتقدًا جزءً من نفسه أخذته معها.

لا يرسم لوحة واحدة إلا بعدما يراها. يلمحها وهي تقود سيارتها في المنيل. ذلك اليوم يعود إلى الأتيليه ويمسح تراب شهور من على أنابيب الألوان والباليتة. يرسم خطوط بلا ملامح على "الكانافا" بقلم فحم ناعم. يملأ اللوحة بألوان ساخنة. تمر الساعات ومع مرورها تظهر تقاسيم وجه وجسد امرأة تميل حتى لا يظهر إلا كتفها الأيمن وجزء من ظهرها الذي تساقط عليه خصلات من شعرها البني المعقوف عند أسفل عنقها. رسم وجهها الخمري من شريط ذكريات هاجمه بشراسة فظهر أنف به عوجة صغيرة وشفاه ممتلئة. عندما ينتهي من وضع آخر لمسات على اللوحة يأخذ خطوتين إلى الخلف ليتأمل اللوحة من بعيد. تأسره عينان لونهما يقرب إلى العسل الجبلى أو العقيق. يتذكر كم كانت تحب العقيق البني ثم يبدأ في تنظيف الفرشاة.




أمل

أقنعته بسهولة أن يقوم بعرض لوحاته. وعندما اقترحت عليه بيعهم، اكتشفت الجهد الشاق الذي ستبذله ليوافق. لم تكن تحب التباهي لكنها تعلم أنها قادرة على تغيير رأيه. اتضح لها بعد ذلك أنها ليست بمهارة كافية لتقنعة ببيع لوحة معينة. رأت إنسانًا آخر عندما عند معها وأصر على عدم بيع تلك اللوحة خصيصًا. لكنها امرأة لا تمل حتى تنال ما تريد، فدأبت على اقناعه. في المجموعة كلها كانت تلك اللوحة هي الوحيدة دون اسم. تحب هي أن تعتقد أن هذه المرأة بشعرها البني المتوهج ونظرتها الغجرية ليست إلا صورتها في ذهنه. تؤمن أنها هي التي ألهمته ليرسم امرأة تخطف القلوب بنظرتها. حتى جلستها والطريقة التي رسم بها شعرها، كانت تشعر أن اللوحة تعبر عنها كثيرًا. لكنها وبرغم إيمانها بأنه يحبها، لم تستطع أبدًا البوح له بهذه الفكرة. تعرف أنه سيبتسم ويوافقها. لن يسخر منها أبدًا. لكنه كان سيفكر أيضًا كم هي رومانسية لأنهما تقابلا بعد مرور أكثر من سنة من انتهائه من رسم اللوحة.




رامي

كانت تلك اللوحة أول ما أهداها. تقابلا منذ بضعة اشهر وكانت علاقتهم لا تزال تحبو. كان يعرف كيف يوقف نفسه عن التفكير فيها عندما يتتطلب منه ذلك مع أنه يحب تذكرها. حينها كانت هي في نيويورك وهو منشغل بصديق له لم يزر مصر منذ سنوات. كان يؤمن بالصدف ويحب تفسيرها كإشارات. كانت صدفة أن يذهب هو وصديقه إلى الزمالك ذلك اليوم وصدفة أخرى أن يقابل صديقة قديمة أخذتهم إلى معرض فنان شاب. أما الإشارة التي رآها يومها فكانت اللوحة. عرف عند رؤيتها أنه يجب أن يشتريها لها وأنه قد وقع في حبها دون أن يدري. شعر أن اللوحة بورتريه للمرأة التي يحب. تعجب قليلًا لأنها دون اسم. وأثناء كلامه مع مديرة المعرض عن شرائها، كان قد وجد لها مكان على جدار ليمونيّ في غرفة معيشة صغيرة يملؤها أثاث حديث.




ديبرا

لم يتغير اليوم الثالث كثيرًا عن الأيام السابقة. استيقظت وارتدت ملابسها. استعدت لاستقبال الناس. في البداية اندهشت لكثرة الناس الذين أتوا لتفقد الأشياء المعروضة. لكن حتى اليوم الثاني لم تكن قد باعت غير معدات كهربائية و كرسي هزاز. فكرت في أن تضع إعلانات في أماكن أخرى لأنها تريد أن تنتهي من بيع الأثاث حتى تتمكن من عرض الشقة للبيع.

كان من الممكن أن تبيع الشقة مفروشة. لكنها صممت أن تبيع الأثاث أولًا لتعارض فكرته. عندما قررا الطلاق، لم تتخيل أن يكون هادئًا وغير أناني. تخيلت أنه سيمارس أنانيته حتى النهاية. لكنه ترك لها عملية البيع بأكملها ليقتسما المال بعد الانتهاء من بيع كل شئ.

كانت تتمنى أن يكون اليوم الثالث آخر يوم لأنها قد ملت استقبال الناس. ذهبت لتجلس في غرفتها المفضلة. الجدران باللون السيمون الفاتح وقطع الأثاث الأرابيسك القديم. تحب كل قطعة أثاث في تلك الغرفة ما عدا اللوحة التي علقها هو في مواجهة النافذة. لم تعترض على تعليقها لكنها لم تر التشابه بينها وبين المرأة في اللوحة. تكره شعرها المعقوف عند رقبتها. يعطيها ذلك الانطباع بالهمجية وعدم الاكتراث برأي الشخص الذي ينظر إلى اللوحة. صمم على بيع اللوحة مع الأثاث وهي لم تعارضه مع أنها تعلم أهمية تلك اللوحة له. بالنسبة إليه هي الأولى من إشارات كثيرة كلها أكدت حتمية وجود كل منهما في حياة الآخر. تجلس وتنظر الى اللوحة. تنتظر شخصًا ما يأتي ويأخذها بعيدا عنها. تفكر أن اللوحة تصف علاقتهم جيدا: بلا اسم.



سَحَرْ

كانت متحمسة جدًا لبدء مشروعها الجديد. اقترح أحد أصدقائها أن تعطي دروسًا خصوصية لأنها كانت بحاجة إلى المال للسفر إلى إيطاليا. أعجبتها الفكرة وبدأت في أخذ الخطوات الأولى لتستعد لها. اقترحت أمها أن تعيد تنظيم ديكور غرفة المعيشة ليتسع المكان لوضع شيلو أخر في الغرفة. سمحت لها بإعادة طلاء الغرفة و تغيير الأثاث إذا أرادت.

أعادت طلاء الغرفة بلون بيج فاتح وتركت المكتبة في مكانها. بدلت مكان مكتبها، فوضعته في مواجهة النافذة بستائرها الجديدة. قررت بيع الأريكتين القديمتين لشراء أريكة أرابيسك كانت قد رأت إعلان بيعها في النادي. ذهبت لشراء الأريكة الجديدة بعدما انتهت من بيع الأثاث القديم. اشترت معها منضدة أرابيسك صغيرة لتضعها في ركن بجانب الاريكة، ولوحة زيتية دون اسم. وضعت اللوحة على الجدار المواجه للمكتبة فأعطت ألوانها الساخنة دفءً للغرفة. كان لون عيون المرأة في اللوحة هو نفس درجة لون خشب الشيلو الذي أخذ مكانه في منتصف الغرفة فوق سجادة يدوية.

صباح اليوم، أتى أصدقاؤها لرؤية الغرفة الجديدة. كانت قد وجدت للتو الاسم المناسب للوحة. كتبته على ورقة بيضاء صغيرة ولصقته في الركن الأسفل للبرواز. أشعرها هذا التغيير البسيط أن الغرفة قد اكتملت. هنأها أصدقاؤها على ذوقها وعلى تناسق الألوان. لكن أحدًا لم يلحظ الورقة الصغيرة أسفل البرواز. بعد مغادرة الجميع، لم تبق غير أقرب صديقاتها. سألتها باستعجاب إذا كانت قد أسمت اللوحة على اسمها. ضحكت حتى آلمتها عضلات بطنها. أجابتها بلمعة في عينيها محاولةً تهدئة ضحكتها: "سميتها سِحْرْ".

الجمعة، 10 أكتوبر، 2008

نقوش


حناء

تعرف أن المرأة قد اضافت صبغة الى المعجون اللزج الداكن من سمكه و من تداخل روائح اخرى لم تعتاد عليها انفها. لكنها استطاعت أن تستخرج رائحة الحناء بلذاعتها التي طالما احبتها. تاخذ الكتيب من المرأة و تضعه على حجرها و عندما تفتحه, تنتبه صغيرتها. تمر اعينهم و اصابعهم على كل صفحة اتذهب الى الصفحة الاخرى ثم يبدأن من اول صفحة مرة اخرى. تختار الفتاة الصغيرة خط من النجوم و تطلب من المرأة أن ترسم لها مثل امها على كفها الايمن. يخرج المعجون بارد و ثقيل من القرطاس في حبل اسود متمايل. يدغدغها فتنظر الى امها و تضحك.

رمال

تصتدم الموجات ببعضها و تلتقي في عناق شغوف عند الشاطئ. تظهر الشمس قليلا ثم تختفي خلف سحابات رمادية متناثرة. و احيانا تأتي رياح سريعة تتداخل بين خصلات شعرها ليتطاير حول وجهها و عندما تفترق شفتاها لتضحك تدخل خصلات من شعرها و تجعلها تضحك اكثر. تشعر بقشعريرة في رجليها لانها ترتدي شورت حتى تمشي على الشاطئ مع صغيرتها لكن الماء لا يبلل الا كاحليها. لا تغامر بالدخول اكثر من ذلك حتى لا تتبعها النسخة المصغرة منها. تقف كل دقيقتين تنتظرها و هي تاخذ خطواتها الصغيرة و تبطء احيانا لتحاول ان تمسك يدها الصغيرة الممتلئة لكن دون جدوى – تصر أن تمشي خلف امها. تختلس نظرة لترى ما يؤخرها فتكتشف انها ليس صغر خطوتها انما اصرارها أن تضع قدميها الحافيتين في العلامات التي تتركها قدمي امها في الرمل.

ولادة

في سرير لا يسع الا طفل واحد جلست مع ابنتها تحت بطانية عليها ميني و ميكي ماوس لا تصل الى قدميها. بصوت ناعم و خافت تبدا اولى حكايات الليلة. تحكي لها عن تنين لا يستطع ان يزفر نارا و عن مغامرات نعجة صغيرة تبحث عن امها. تحكي كل ما في جعبتها من حواديت, فتستعين بكتاب قرأته كثيرا. تقلب صفحات قد ملتها الصغيرة التي تقرر أن تلعب لعبة اخرى. يدغدغوا بعضهم تحت البطانية و وسط ضحكاتهم تحاول أن تختبئ تحت ملابس امها لتضحكها اكثر. تختفي قليلا ثم تخرج رأسها و تطلب من امها أن تحكي لها قصة ندبتها الكبيرة – حبل النجوم – الذي يمتدد, تحت سرتها, من طرف بطنها الى الطرف الاخر.

الأربعاء، 17 سبتمبر، 2008

عيدان القرفة




تدخل الى المقهى الدافئ لتحتمي من برد ديسمبر. تزفر و هي تتخلص من حمل معطفها و حقيبتها. تبتسم لنفسها و هي تجلس في الكرسي الاحمر الصغير. يأتي الجارسون فتطلب شاي سادة و معه عيدان قرفة. تنظر حولها لتتفقد الناس المختبؤن من البرد مثلها. تجذبها صوت ضحكته العالية الدافئة فتنظر اليه. يلاحظ انها تتفحصه فيترك الموبايل لثانية و يبتسم لها. ترتبك. تشعر بسخونة في اذنيها مع أن دفء المكان لم يغمرها كاملا بعد.

تفسح مكان على الطاولة عندما ترى الجارسون اتي من بعيد. يمر بجانبها و يتوقف عند صاحب الضحكة. يكاد يقتلها الفضول لانها تريد أن تعرف ماذا يشرب. يدق قلبها بسرعة غير معتادة عندما ترى انه يشرب شاي مع عيدان قرفة. تنظر حولها بسرعة لتتأكد ان لا احد غيرهم هم الاثنين يشرب شاي بالقرفة. تتحمس كطفلة و تهمس لنفسها انها اشارة.

تشرب الشاي بسرعة. عندما تنتهي تلتف بجسدها قليلا لختلس نظرة اخرى. تتسع عيناها عندما تراه يرشف اخر الشاي ثم ياخذ ثلاثة عيدان من القرفة من قاع الكوب و يمصهم بصوت عال كطفل يأكل حلوى. يلمحها و هي تنظر اليه فيغمز لها و ببطء يخرج العيدان من فمه و يرمي لها قبلة صغيرة في الهواء. تنتفض و تستدير. تحدق في كرسي امامها و تعيد ما حدث في ذهنها.

و علامات الذهول على وجهها و صوت مص العيدان مستمر خلفها تطلب الحساب. تقرر أن الاشارة تأتي دوما وحدها بدون اشارات اخرى. تدفع ثمن الشاي و ترتدي معطفها بسرعة. و هي تخرج يلحق بها صاحب الابتسامة و يفتح لها باب المقهى. يبتسم لها فتهرع الى الشارع الذي كانت في تلك اللحظة تشتاق الى سقيعه. تأخذ خطوات سريعة و منتظمة و هي تكلم نفسها بصوت عال و تكرر انها اسأت فهم الاشارة الاولى.



حكاية




تجلس الصغيرة في خجل بجانب امرأة تكبرها بعدة سنون. تربت المرأة بيدها علي ظهرها. تأخذ البنت انفاسها بتأني. تنظر الي المرأة بعيون يملؤها كلام كثير. تعتدل في جلستها و تستند برأسها علي كتف المرأة. تفترق شفاها لتخرج الكلمات بصوت يكاد لا يسمع "اتكلمت معاه إمبارح."


"قاللي احكيلك"

يأتيها صوت الموسيقي من بعيد و هي بين اليقظة و النوم. قد مضي وقت طويل علي استماعها للموسيقي. تفتح عيناها المثقلتان بالتعب عند بدء كل اغنية. تغرق في الكلمات. تنتفض. يدق قلبها بسرعة جنونية. تضع يدها علي صدرها علّ الألم يهدأ. لكل أغنية معني لم تفهمه من قبل. كل أغنية اشارة. تؤمن بالاشارات الضغيرة التي نلتقتها عبر طريقنا في الحياة. اما هو, فيؤمن بالاحلام.


"قاللي احكيلك"

تتأرجح علي الحافة. لكن هو لا يتحرك. لا تقدر علي التنفس لان الهواء مكتوم و ثقيل. تقسم نفسها اثنين. نصف يريده و يتوق اليه و النصف الأخر يأبي البقاء معه.

هناك نوعان من الألم. تعرف ذلك و تشعر به. اذا سؤلت عن الفرق بينهما لن تقدر علي الاجابة. لكنها تعرف أن هناك فرق.

كل شئ منه اثنين. نصفين. نوعان من الألم. أختياران. هي. هو.

الإتزان.

اهم شئ الإتزان. اهم شئ.

تتذكر ويليام بليك و النمر و الإتزان.*


"قاللي احكيلك"

تعرف أن الوقت قد آن. لا تشعر بأي الم. يخرج. يصرخ. يبكي. تمسك برأس السرير بيد و باليد الأخرى تحاول ايجاد دقات قلبها. تشعر بالراحة لانها افترقت عنه أخيرا. تزفر فتنفك عضلات جسدها المشدودة. تحاول قطع الحبل السري لكنه لا ينقطع. يأتي البكاء بلا دموع. تفسح مكان خالي في روحها و تبدء في شده ثانية الي داخلها.


"قاللي احكيلك"

تجلس مع امرأة أخرى. تبدء في الحكي. لكن الحكاية ترفض الخروج.




* اشارة الي الشاعر الانجليزي وليام بليك و قصيدته "النمر" و فكرة الاتزان او symmetry في الفن القوطي Gothic art التي تأثر بها الشاعر.



الأحد، 14 سبتمبر، 2008

أول مرة

احساس أخر

يتملكها احساس أخر, احساس جديد جدا و هي تقترب من ساحة المسجد. تردد لنفسها تاريخ اليوم لانها لا تريد أن تنسي هذه اللحظة. لا تريد أن تنسي واحدة من "مرّاتها الأولى". تتحمس كثيرا عندما يأتي ولد صغير يطلب منها "أي حاجة عشان خاطر سيدنا كلنا." تعطيه ما معها من نقود في جيب الجينز و كيس شيبسي بالملح. عندما تقع عيناها علي المظلات المغلقة تبتسم. تحب لون و شكل هذه المظلات التي أمام سيدنا الحسين كثيرا لكن اليوم تحبها اكثر لانها لها وحدها.


رائحة بخور

تذهب الي الباب الجانبي لتصلي ركعتين و تدعو. تشعر بدوار خفيف من رائحة البخور. تضع حذائها في حقيبة مخصصة لوضع الاحذية في الحسين. تصلي بالكوفية الصوف التي تحتك برقبتها. تستخدم مهارات الدفع و "الهرس" التي تعلمتها في الجامعة لتصل الي المقام. تقرأ الفاتحة و تدعو لكنها تجد نفسها غير قادرة علي التركيز الا في صوت امرأة تبكي بجانبها. تود أن تحتضنها لكنها تقرر الا تفعل ذلك. تتذكر و هي علي وشك الخروج أن تدعو علي بوش و اسرائيل. تقرأ الفاتحة مرة أخرى ثم تخرج.


تركواز و لابيس لازولي

تفرح جدا لأنها قد ادخرت من مصروفها لتشتري تركواز و لابيس لازولي. لا تدخل من خان الخليلي و تتوجه الي حارة الصالحية. تمشي في حارات ضيقة بها ورش كثيرة. تشتري كيك "هوهوز" من كشك صغير و تفتحها بسعادة كبيرة. تقرر للمرة الألف أن اختها "مبتفهمش" لأنها لا تحب "الهوهوز".

تدخل الي جنة من الاحجار الكريمة. توقظ نفسها من حلم تكون فيه كل هذه الاحجار ملكها. لا تشتري ب"التحويشة" كلها تركواز و لابيس فقط. تترك جزء منها لشراء اشياء أخرى مختلفة حتى لا تمل.


قرط فضة "مدلدل"

تبحث في المحلات عن قرط فضة "مدلدل". تكره الاقراط الصغيرة, لكنها لا تستطيع أن تتخلص من المخزون الصغير الذي تمتلكه منهم. تصحح اثامها السابقة بأن تشتري اقراط كبيرة فقط. عندما تفشل في ايجاد القرط المناسب تقرر أن تأكل "فطير بالجبنة البيضة". في الطريق الي فطاطري الحسين تقع عينها علي قرط بالمواصفات المناسبة لكنه "فلصه". تشتريه و تأخذ قرار في نفسها أن تطليه بالفضة. تطلب فطيرة متوسطة الحجم مع أنها تعرف أنها لن تستطيع اكلها كلها. تمر دقائق الانتظار ببطء و يملؤها شعور بالذنب.

مع كل قضمة من الفطيرة تسأل نفسها اذا كان طلاء القرط بالفضة نفاق.

السبت، 13 سبتمبر، 2008

بطاطس محمرة و كيك شيكولاتة

يجلسن حول طاولة في مطبخ دافئ يملئه رائحة منظف. تغمس كل واحدة منهن شوكتها في قطعة كيك شيكولاتة علي صحن ابيض صغير. تأخذ اثنتين منهن قطعة أخرى ليتقلس حجم قالب الكيك الذي يتوسط الطاولة. يزخرفن قطع الكيك بأيس كريم الفانيليا و "صوص" شيكولاتة سميك يمنع كل ما تحته من التنفس.


لا يبدأ الكلام الا بعد ما ينتهين من اكل الكيك. يعلو صوت ضحكاتهن و هم يتناوبن في غسيل الصحون. يبدأن في إفشاء اسرار الشهر الماضي التي لم يتناقشن فيها بعد. بعد مرور ساعة من الحكي و التحليل يشعرون بالجوع. يأتيهن احساس بأن هذه ليست الا "طفاسة" لكنهن يزيحن الاحساس بعيدا و يتشاورن علي نوع الوليمة. يتخذن قرار بالاجماع علي بطاطس محمرة فيقسمن الادوار علي انفسهم: غسيل البطاطس,

تقشيرها, تقطيعها ثم تحميرها.


وسط الاختلافات علي سمك و طول قطع البطاطس يتسلل موضوع الزواج. الموضوع الذي لا بداية له و لا نهاية و لا فائدة ايضا لان "العريس مش ع الباب". يذهبن مع التيار فيتسلل موضوع فرعي "هوه هيطبخ و يغسل الاطباق معايا و لا لأ." يجتمعن كلهم الا واحدة أن "كده و كده هتغسلي انت ف اسكتي و خلاص" فتغضب و يسود الصمت في المكان. تستلم أصابع البطاطس المختلفة الحجم و الشكل لتقوم بدورها و تبدأ في تحميرها في غيظ. يعلو صوتها , "يعني أنا اتعلم و اقرأ و افكر و بعد ده كله اتجوز و أعد في البيت و اقشر بطاطس؟؟؟؟" يبدأ الصراع ثانيا و تصتدم الأراء ببعضها لكنهن يتذكرن أن "انكل نايم" فيسكتن مرة أخرى.


تعلن المتمردة و هي تخرج البطاطس من الزيت انها لن تقبل بهذا الوضع. " أنا بقى مش هاعد اقشر بطاطس. أنا هجيبها مجمدة, هيه!!!" ترش الملح علي البطاطس مراعية أن اثنين منهم لا يحبون الملح الكثير مثلها. تؤكد علي نفسها القرار بأنها "هتجيب بطاطس مجمدة" لكنها تتذكر كم تكرها و كم تحب البطاطس الطازجة. بينما الأخريات منهمكات في الاكل و وضع الكاتشب علي البطاطس, تنسحب هي. تجلس علي الارض بجانب الثلاجة و ترفض الاكل كعقاب. تسأل نفسها لمن, فلا تدري.

الجمعة، 12 سبتمبر، 2008

ضحكة القمر



تتدحرج الكرة فوق تراب الشارع. تركلها الاحذية بدون استئذان , بدون مراعاة لمشاعرها الوهمية. تعلو اصواتهم بالضحك و هم يركضون في مساحة تكفي لمرور سيارة واحدة فقط . تعبر قطة الشارع في خوف. تصطدم بها الكرة برفق فتهرع القطة نحو كومة من القمامة في ركن بعيد.

"جوووووووووون......يا ابن اللعيبة!"

تمر هي في هذه اللحظة. تسير بخطوات سريعة حتى لا تتعرض للمضاياقات. يراها الهداف المغمور و يتفحصها جيدا.

"وشك حلو علينا يا قمر."

تضحك, يحمر خدها, تبطء.

"و كمان ضحكتها حلوة! ده أنا شكلي هكسب النهاردة...."

تستمر في طريقها و الابتسامة لا تزال علي وجهها. يستمروا هم في اللعب كأن شيئا لم يحدث. تأتي سيارة فتقطع مبارتهم الصغيرة. ينتظروا مرورها ليستعيدوا الملعب مرة اخرى. ينظرون حولهم باحثون عن "قمر" اخر و "ضحكة" احلى.

كل صباح

تتسلل اشعة الشمس المنكسرة من النافذة الى اركان الغرفة. تعطي دفء مزيف للسيراميك البارد. تضيء بنورها الجدران البيضاء و كأنها توقظها من النوم. يغطي المكتب ورق رسم كبير و غصن شجر بدل من الكتب. اختفت الوان اوراق الشجر – درجات الاخضر و الاصفر الاحمر الداكن – تحت اكوام من التراب. تقع صورة من هذا الغصن, ولدت من طرف قلم رصاص, تحت قمع التراب. فتبدو و كأنها لا تقدر على التنفس.

يأتي صوت خطواتها على الارض مفعما بالحياة. تضع وسادة قديمة على الارض لتجلس عليها. تشرب الشاي بالحليب و تغلق عيناها. تشعر بدفء الشمس على جسدها و وجهها و يملؤها احساس بالكسل. تمر لحظات من السكون لكنها توهم نفسها انها ساعات.

عندما تنتهي من قدح الشاي تنهض. و هي ذاهبة الى المطبخ تقع عينها على المكتب المغطى بالتراب التي لم تقربه منذ شهور. تبتسم لنفسها و تقول لنفسها ما تقوله كل صباح:

"خلاص, كفاية كدة…هابتدي احط الالوان النهاردة."