الاثنين، 12 سبتمبر، 2016

من البحر



من البحر....



دي تدوينة عيد ميلادِك – تدوينة مخصوص عشان إنتِ ماي وان آند آونلي فان!

مش فاكرة إمتى أول مرة شفتِك بس عندي ذاكرة مشوشة عنِك و إنتِ لابسة تي شيرت و بتعملي ب هِمة – غالباً دي صورتِك عند أغلب الناس، عشان ناس قليلة أوي بعتمل الحاجات بحب و بتفاني زي ما إنتِ بتعمليها.

كنت متخيلة إني هحس بوَحشة عشان إنتِ مش هنا يوم عيد ميلادِك، و عشان ريم مسافرة يوم الخميس و دوللي هتتجوز الجمعة و أنا و ايمي هنفضل مقاطيع كده زي ما إحنا بس هنعمل حزب لوحدنا: حزب في إنتظار العزومات و السفريات.

بس أنا متحمسة، متحمسة للتغيريات إللي بتحصل في حياتنا و  بتغّير فينا. بفكر إن حتى في اللحظات إللي مكناش قريبين زي ما كنا في وقت زمان، كنا برضو بنأثر في بعض و على بعض، و إن بشكل ما – رومانسي شوية  - أنا بتشبث بكل تفاصيل صداقتنا إحنا الخمسة. و إني ممتنة بتفاصل علاقتي بكل واحدة فيكوا.

قررت الصبح إني بدل ما أقعد أفكر كان ممكن نعمل إيه في عيد ميلادِك لو كنتِ هنا إني أكتب لِك تدوينة عشان محدش كان بيعبر النصوص بتاعتي غيرِك. إنتِ كنتِ هتبقي مسافرة كده كده و أنا قاعدة بحاول أكتب نص مش عايز يتكتب و يمكن لما يحس كده إن في حاجة  من ريحتِك في الأوضة يحن و يطلع من تحت السرير، زي ما هوبي بيعمل أول ما بيسمع صوتِك، بيطلع و يتمشيى مرتاح في البيت لأن خالته هنا.

لما أصحابنا مبيبقوش موجودين، بنحول كل شيء عنهم لحاجات رومانسية و حاجات عاطفية. يمكن الكلام ده يكون جزء كبير منه عاطفي - أكيد يعني جزء كبير منه مشاعر فياضة و إشتياق – لكن هو في جزء كبير من مشاعري له علاقة بإن الناس دول، إللي بيكونوا جزء من وجودنا في مكان و زمان إحنا عايشين فيه و فجأة ميبقوش موجودين و لا يبقى الوصول ليهم بنفس السلاسة إللي إتعودنا علينا بيخلينا نقعد نحفر في الذاكرة و نقدّر العلاقات دي و نشوفها بكاملها و نشوف كل الإحتماليات المفتوحة فيها و دي فرصة مش بتيجي من وجودنا كلنا في نفس المحيط.

كنا قاعدين مرة و بقول ماريز قالت كذا كذا ف حد قالي ماريز مين؟ ماريز جارة ليلى؟ ف قلت لهم لأ ماريز بتاعتي و لبقية القعدة بقى إللي بيفصل ما بينِك و بين الماريز الجميلة التانية هي إنِك ماريز بتاعت زينب.

زي ما إنتِ بتاعت البحر. مع إننا عمرنا ما سافرنا للبحر – رحلة مصيف يعني – سوا إلا إن لينا أيام في البحر كانت مهمة في صداقتنا و مهمة في اللحظات إللي زي دي، إللي بتخلينا نفكر في صداقتنا إتطورت إزاي و كان ليه فيها توتر في مراحل و ليه كانت سلسلة أوي في مراحل تانية.

إللي إتعلمته منِك يا ماريز إنِك مش بتاعت حد. و دي حاجة إنتِ عملتيها بصعوبة و بمعارك و بقلبِك إللي مفيش زيه كتير: قلب عارف فين الصح، قلب بوصلته مضبوطة و حقاني و قادر يدي و يحب منغير حساب و لا شروط و بعد ما يدلدق الحب علينا كلنا، يفيض منه و يتبقى.

دلوقتي – و الفترة الأخيرة – كنت بفكر كتير في حاجات ممكن تكون ضايقتنا من بعض، بس مكنتش بفكر فيها بطريقة وحشة أو إني شايلة أو إني حاسة إنِك ممكن تكوني زعلانة. بالعكس، كنت بفكر فيها و في قد إيه كل الحاجات دي  جزء من الصداقات إللي بتدوم و الصداقات إللي الواحد يقدر يقول فيها كل حاجة منغير ما يتكسف أو يخاف يجرح التاني. حتى لو مقلناش كل حاجة و متكلمناش في كل حاجة، شيء ما في سفرِك أكد لي إننا قادرين على ده أكتر من أي وقت عدى و إنِك طول السنين إللي فاتوا – مهما حصل في النص – كنتِ و هتفضلي حتة من قلبي.

ليلة ما سافرتي خوفي من سفرِك كله طلع في إني حلمت إن الطيارة وقعت بيكوا في المحيط – مصر الطيران بقى و النحس المنتظر. و صحيت مفزوعة بس هديت نفسي و أنا مؤخراً مبقتش بعرف أعمل ده بسهولة و قعدت أقول لنفسي إني لازم أبطل عبط و فكرت في الكابوس ده لما وصلتي و بعتي لنا الصور و فكرت إن مخي غالباً راح بعيد كده عشان أنا بحس إنِك فعلاً حتة من البحر، رايقة زيه و اسمك منه بس إنتِ فعلاً مش من حد و لا بتاعت حد و سفرِك و شجاعتِك أكبر دليل على ده.

كل ما بتكبري بشوف ده فيكِ أكتر و أكتر، و بشوف قد إيه إنتِ عندِك قدرة إنِك تقشري كل العاطفة إللي بترافق الأشخاص و الأمور و المواقف و توزينهم و تقدريهم و تحفظيهم جواكي منغير عتاب و لا ضغينة. و هو ده – بالرغم من  حبِك و تعلقِك بالناس و الأشياء و الحاجات و قدرتِك إنِك تسيبي بصمة صوابعِك الرفيعة الجميلة على كل حاجة بتمسكيها و تحضنيها و تحمليها ب إيديكي – إللي بيخللينا قادرين إننا نكبر و إننا نبقى أقرب لأجمل حاجة جوانا كبني أدمين عايشين في واقع قبيح و مؤلم.

كل سنة و إنتِ حتة من قلبي، بتكبري و تلاقي نفسِك و تفتّحي و تزهري زي الجناين و النباتات إللي بترعيها و تحبيها. كل سنة و إنتِ حوالينا و بتحبينا و بتدلعينا، إللي مداقش دلعِك فاتوا كتير.

و بما إننا قاعدين ننظر عن الأرشيف، خدي دي من 2011، عام الأمل المفشوخ و ليالي أوديون:

May you never ever not know how precious you are.


الاثنين، 30 مايو، 2016

نبتة



ربما كنت نبتة في حياتي السابقة و ليس قطة كما ظننا جميعاً.

أفتح شيش الغرفة لأدخل بعض الضوء للشجرة الصغيرة بورقها الناعم و أنظر على هضبة الملابس على الفراش، بدلت فراشي الصغير بفراش أكبر ليسع كل ما خزنت من أشياء بداخلي، لأفترشه و أنتشر فيه و لكني بفعل العادة تركت نصف لي و نصف لملابسي و كتبي.

بجانبي كتاب "خارج المكان" لإدوارد سعيد.

بالأمس، فضلاً عن المراجعة للإمتحان الذي درست فيه سيرة سعيد الشخصية، جلست أتخيل نفسي في عالم أخر و زمن أخر، طالبة دكتوراة مغتربة في أمريكا قابلت سعيد و هو شاب وسيم و بلا مأوي و بلا وطن. أتخيل نفسي أتعرف على هذا الشاب و أتخيل علاقتنا و حوارتنا عن كل شيء عن الأكاديمية و أتخيل مكان ليس بمكان مع شخص قد تحدد سيرة حياته - التي إنتهت - جزء من درجة الدكتوراة المنتظرة.

الدكتوراة التي قد تأتي و لو بعد حين.

و في ظل التفكير في كل السنوات التي عليّ قضائها للإنتهاء من تلك الرسالة أفكر في تلك النبتة التي تبنيتها و قررت إنني بحاجة إليها في حياتي، هي و أخريات، ملأت بهم المنزل و يوم بعد بدء علاقتنا الجديدة قلت لحبيبي أنني أفضل العودة للمنزل للجلوس وحدي مع نبتاتي الجديدة عن أي شيء أخر لأنني شعرت حينها أن العالم مكان شرير.

أصبحت أفكر في نباتاتي أكثر مما أفكر في مستقبلي المهني و أكثر مما أفكر في وزني الزائد و أكثر مما أفكر في جدتي التي أحبها أكثر بكثير عن القدر الذي أستطيع البوح لها به و التي أصبحت عجوز فجأة و صرت أنظر لها و أنا لا أريد أن أصدق إنها باتت لا تستطيع النزول من على الرصيف بدون معاناة حقيقية و خوف من التعثر ، و أكثر من أمي التي أفتقد صوتها التي قررت أن تحرمني منه بقرار أن لا تتحدث معي كعقاب.

لا أتكلم مع نباتاتي لأن ماما لا تتحدث معي، لكنني أصبحت أفكر فيهم كلما شعرت بالضيق الذي أصبح يسبب آلم لم أعد أحتمله في بطني.

رأيت نبتة ريحان هذا الصباح و تذكرت رحاب و النص الذي كتبته عن الريحان الذي سمعت عنه دون قراءته. ذهبت رحاب إلى إنجلترا و معها إبنها الذي يضخ السعادة في يومي كلما قابلته، ذهبت رحاب من هنا لتعيش هناك لأن هذا أفضل لشريف. نكره ذلك لكننا نعرف مدى حقيقته. سافرت رحاب و لم اقرأ النص حتى الأن. فكرت في ضم هذه النبتة لمجموعة نباتاتي الجميلات و لكني عدلت عن الفكرة. الأن أصبح الهدف زراعة النباتات و ليس فقط العناية بهم.


أقرر أن لا أشتريها و نمضي أنا و نهلة في طريقنا، سعداء بعصير القصب في الأكواب البلاستكية التي ستقينا من الصفرا و العدوى التي بقدرة القادر تفاديناها حتى الأن. و نتحدث عن المستقبل و خططتنا إذا قررنا أبداً أن نكون أمهات كأننا نتحدث عن شيء كاچوال. نتحدث عن المدارس و التعليم الذي حصلنا عليه في المدراس التي قضينا فيها طفولتنا و كم تخيفنا فكرة تعليم أطفالنا الذين قد لا يأتوا أبداً.


أعود للبيت و أجلس مع نباتاتي التي ليست في حاجة إلى التعليم و لا المدارس.

أبدء في كتابة هذا الذي لا أعرف له عنوان و لا أعرف له تصنيف – "genre trouble" – أنا من هؤلاء الذين لا يعرفون التعبير دائماً بالعربية و ها أنا أكتب بالفصحى التي نادراً ما شعرت أنها تعبر عني و عن ما أريد قوله، ربما لأني متأثرة بفرح التي تكتب بالفصحى و تعرفها جيداً ككف يدها و التي سترحل لبضعة أشهر لتبعد عن هذا المكان و لو أمكن هذا الزمان.

أتحدث مع علي – ابن خالتي الجميل الصغير الذي لم يعد صغيراً – عن الحياة  و الغطس و الأهل و الرياضة و نتحدث عن الشعور بعدم أهمية نشر الأخبار، تحديداً الأخبار التي نقرأها و ننشرها على الفيس بوك ثم نأخذ قراراً صارماً بعدم التفكير فيها طوال اليوم.

غالباً علي عنده حق لكنني أظل أنشر الأخبار كأنني أعاني من حمى الشير، أظل أنشر و أطلب الرحمة من الله ثم أفتح بنتريست لأتصفح صور نبتة الفيسكوس التي أحلم بضمها لحياتي الصغيرة. أصبح ذلك حلمي الذي أعمل عليه الأن. ليس الدكتوراة و لا محاولة التحدث مع أمي أو تقضية أطول فترة ممكنة مع تيتا و لا حتى كتابة النص المسرحي الذي ينتظره مني أشخاص في القاهرة و في برلين و هو لا وجود له، و لا حتى برأسي، فقط أفكر في شجرة الفيكوس التي أصبحت أنظر بره نافذة التاكسي أو الأوبر بحثاً عنها في شوارع القاهرة التي ظننت نفسي أعرفها جيداً لكنني عرفت – بالمعرفة بوجود شجرة الفيكوس في هذا الكوكب الشرير – أنني لم ألاحظ كل شيء بها و بالتالي لا أعرفها على الإطلاق.

ربما أحب هذه الشوارع، لكنني لا أعرفها.

أبكي فجأة بعد قراءة خبر عن التحقيق مع أحد مات والده و هو رهن الإختفاء – الذي أصبح الكابوس الذي نحيا به و نتنفس عليه دون أحد منا البوح بيه خوفاً من تحقيقه. أليس هذا ما يقولون؟ إذا حلمتم بكابوس لا ترووه حتى لا يتحقق. و لكن ماذا و نحن نحياه؟

في اللحظة التي خطر على بالي الخاطر إن عدم رد باسم على التليفون قد يكون معناه ذلك، فكرت في كل سنوات صدقاتنا و مدى حبي له و ضمته الحنونة لكتفي ليقع تحت كتفه و يقول لي كلمات تريحني دائماً. كل الأفكار تلك تمر في ثواني. تمر كفكرة غبية مثل أنني أفكر إذا ما وصل شادي المنزل سالماً و أنا أعرف إنه هناك مع فيروز لأنني رأيته يدخل البناية و مضيت في طريقي، لكنني أفيق و أخاف من أن أفكر حتى في خوفي هذا و أفكر في كم أنا أحبه و أذكر نفسي بشيء يفعله يضحكني لأنام.

لا أعرف لماذا أكتب هذا و لماذا بالفصحى، أظل اسأل نفس الأسئلة و لا أبذل أي مجهود في الإجابة عليها. كما أفعل مع تلك الأخبار التي لا أعرف لماذا حتى اقرأها و أنا لا أفعل شيئاً حيالها – لا أعرف ماذا أفعل و لكن هذا مجرد إبتذال، التفكير في عدم قدرتنا على فعل شيء تجاه كل هذه الأشياء أصبح مبتذلاً. 

أقبل هوبي الذي يأتي ليجلس بجانب يدي و أنا أكتب هذا و يكتب هو "ؤبب" بكفه المشمشي الذي أضعه جانباً حتى أصل لحرف الذال ثم يحضن يدي اليسرى بكفيه الإثنتين و ينام. ربما هذا سبب جيد لأتوقف عن الكتابة لأنني لا أعرف لماذا أكتب و لأنني لا أريد إزعاجه، هذا القط الذي آتى إلى حياتي فجأة و أصبحت لا أسطيع تخيلها بدونه.

الأن، حالاً، قبل أنا أنتهي من كتابة الجملة السابقة، أخذ هوبي كفي الأيسر بين كفيه و ضمه إلى صدره أكثر ليريح رأسه على ذراعي و ينام و هو مستريح و آمن. لا أريد أن أحرك كفي الأيسر و لا أريد أن يشعر هوبي أبداً بعدم الأمان مثلنا نحن فكيف بي أنا أفكر في أطفالي أنا و نهلة؟ هوبي يقلق من صوت حركة الشيش المفاجئة. سأتوقف عن الكتابة ليرتاح هوبي و لتنبت نباتاتي و تصير حديقة أختبئ فيها من كل الشرور و تبقى علاقة حبي مع إدوارد سعيد أشياء صغيرة أفكر فيها حتى لا أفكر في نفس السؤال المستفز، لماذا أكتب هذا؟ لماذا أكتب هذا الأن؟