الأربعاء، 19 نوفمبر، 2008

شبشب مقطوع

تشعر بأنها تنصهر داخل عباءتها السوداء. لم تعد تحتمل انتظار الحافلة في هذا الزحام و هذا الجو الخانق. تؤلمها يداها من ثقل الأكياس الكثيرة التي تحملها. كانت تشعر بسخونة "الأسفلت" تخترق مطاط "شبشبها" الأخضر لتصل إلى قدميها. رأت الحافلة قادمة من بعيد, فتشبثت بالأكياس جيدا متأهبة لوصولها. أسرعت من خطوتها فبدت ككرة سوداء صغيرة تتدحرج بصعوبة. ذهب شعورها بالارتياح و هي تتسلق السلالم لصعود الحافلة عندما شعرت ب"فردة الشبشب اليمين" تتمزق و تنزلق من علي قدمها المنهكة. نزلت السلالم بصعوبة لتبحث عن الشبشب لتصلحه بعدما تتسلق مرة أخرى. بعد أن وجدته تحت أحذية كثيرة, حاولت الركض لتلحق بالحافلة التي لم تنتظرها.

________________________________________

تشتري له "شبشب" جديد في عيد زواجهما الأول. لا يبدي إعجابه أو كرهه للشبشب الأسود فتحاول أن توضح الفكرة وراء الهدية: أن يرتديه في المنزل او في المصيف و انه "ماركة". يشكرها بحرارة كاذبة و هو يقبلها. في المنزل لم يخرج الشبشب من علبته, فانتظرت حتى ينتهي الشتاء لكنه لم يظهر أيضا. قالت لنفسها انه "محوشه" للإسكندرية. ذهبوا إلى الشاطئ كل يوم لمدة شهر و لم ترى الشبشب مرة واحدة. عندما سألته عنه قال انه تمزق أول مرة ارتداه فيها. اتهمته بالكذب فتشاجرا. بعد أن تأكدت انه نائم, ذهبت إلى الدولاب و أخرجت علبة الشبشب فوجدت الفردة اليمنى ممزقة. أقنعت نفسها و هي تحاول النوم انه كان يرتديه و هي نائمة.

_________________________________________

مرت الليلي و الأيام و قلمه لا يكتب حرف واحد. امتد الشهر إلى ثلاثة و هو لا يزال يشعر بالعجز. كان ينفذ كل الأفكار التي تأتيه لتدفعه للكتابة. قرأ اكثر من المعتاد و كان يحرص علي قرأه كتب مستفزة جدا. ذهب إلى السينما كل يوم و كان يشاهد الفيلم اكثر من مرة إذا رآه ملهما. كان يزور أماكن يحبها بعد الانتهاء من العمل و عندما لم تلهمه الأماكن المحبوبة, ذهب إلى الأماكن التي يكرهها.

وعد نفسه الا يغضب. بدء ممراسة اليوحا. اشتري انواع اقلام و خامات ورق مختلفة. كل ليلة كان يستمع الي انواع موسيقي متنوعة لخلق جو ملهم.

و في هذه الليلة استمع الي ديبوسي و عمرو دياب و بروس سبرنجستين ثم الي شريط قديم من اغاني الأطفال. كان مصصم علي إخراج طاقته في شئ إيجابي فاخذ مقص ازرق صغير و بدء في قص حيوانات و اشكال مختلفة من ورق الكتابة. ثم بدء في قص انابيب الحبر. و عندما لم يشعر بأي تحسن صرخ بصوت عالي و اخذ يبحث عن شئ أخر يمزقه. وقعت عيناه علي شبشه الاحمر تحت المكتب فأخذ الفردة اليمنى و مع كل قطعة نجح في تمزيقها من الشبشب, علت ضحكته و سالت دموعه.

الاثنين، 10 نوفمبر، 2008

زيت على كانافا

محمد

بعد مرور شهور علي فراقهم، لا تزال عيناها تسيطر على أفكاره. كل شيء في حياته يستحضرها. يشعر كأن روحها تسكنه. يكاد ينطق باسمها كل مرة تفترق شفتاه ليتكلم مع أحد. عندما يجلس وحده في الليل يحاول أن يرسم، أن يخرج طاقته في شيء إيجابي. لكن كل ما يخرج من طرف قطعة الفحم هو اسمها. يكتب اسمها بخط الرقعة مرة وبالنسخ مرة أخرى، ثم يرسم وردًا أو مفتاح حياة صغير ليزخرف اسمها. يسأل نفسه لماذا تركها تذهب. يرقد في سرير غير مريح مفتقدًا جزءً من نفسه أخذته معها.

لا يرسم لوحة واحدة إلا بعدما يراها. يلمحها وهي تقود سيارتها في المنيل. ذلك اليوم يعود إلى الأتيليه ويمسح تراب شهور من على أنابيب الألوان والباليتة. يرسم خطوط بلا ملامح على "الكانافا" بقلم فحم ناعم. يملأ اللوحة بألوان ساخنة. تمر الساعات ومع مرورها تظهر تقاسيم وجه وجسد امرأة تميل حتى لا يظهر إلا كتفها الأيمن وجزء من ظهرها الذي تساقط عليه خصلات من شعرها البني المعقوف عند أسفل عنقها. رسم وجهها الخمري من شريط ذكريات هاجمه بشراسة فظهر أنف به عوجة صغيرة وشفاه ممتلئة. عندما ينتهي من وضع آخر لمسات على اللوحة يأخذ خطوتين إلى الخلف ليتأمل اللوحة من بعيد. تأسره عينان لونهما يقرب إلى العسل الجبلى أو العقيق. يتذكر كم كانت تحب العقيق البني ثم يبدأ في تنظيف الفرشاة.




أمل

أقنعته بسهولة أن يقوم بعرض لوحاته. وعندما اقترحت عليه بيعهم، اكتشفت الجهد الشاق الذي ستبذله ليوافق. لم تكن تحب التباهي لكنها تعلم أنها قادرة على تغيير رأيه. اتضح لها بعد ذلك أنها ليست بمهارة كافية لتقنعة ببيع لوحة معينة. رأت إنسانًا آخر عندما عند معها وأصر على عدم بيع تلك اللوحة خصيصًا. لكنها امرأة لا تمل حتى تنال ما تريد، فدأبت على اقناعه. في المجموعة كلها كانت تلك اللوحة هي الوحيدة دون اسم. تحب هي أن تعتقد أن هذه المرأة بشعرها البني المتوهج ونظرتها الغجرية ليست إلا صورتها في ذهنه. تؤمن أنها هي التي ألهمته ليرسم امرأة تخطف القلوب بنظرتها. حتى جلستها والطريقة التي رسم بها شعرها، كانت تشعر أن اللوحة تعبر عنها كثيرًا. لكنها وبرغم إيمانها بأنه يحبها، لم تستطع أبدًا البوح له بهذه الفكرة. تعرف أنه سيبتسم ويوافقها. لن يسخر منها أبدًا. لكنه كان سيفكر أيضًا كم هي رومانسية لأنهما تقابلا بعد مرور أكثر من سنة من انتهائه من رسم اللوحة.




رامي

كانت تلك اللوحة أول ما أهداها. تقابلا منذ بضعة اشهر وكانت علاقتهم لا تزال تحبو. كان يعرف كيف يوقف نفسه عن التفكير فيها عندما يتتطلب منه ذلك مع أنه يحب تذكرها. حينها كانت هي في نيويورك وهو منشغل بصديق له لم يزر مصر منذ سنوات. كان يؤمن بالصدف ويحب تفسيرها كإشارات. كانت صدفة أن يذهب هو وصديقه إلى الزمالك ذلك اليوم وصدفة أخرى أن يقابل صديقة قديمة أخذتهم إلى معرض فنان شاب. أما الإشارة التي رآها يومها فكانت اللوحة. عرف عند رؤيتها أنه يجب أن يشتريها لها وأنه قد وقع في حبها دون أن يدري. شعر أن اللوحة بورتريه للمرأة التي يحب. تعجب قليلًا لأنها دون اسم. وأثناء كلامه مع مديرة المعرض عن شرائها، كان قد وجد لها مكان على جدار ليمونيّ في غرفة معيشة صغيرة يملؤها أثاث حديث.




ديبرا

لم يتغير اليوم الثالث كثيرًا عن الأيام السابقة. استيقظت وارتدت ملابسها. استعدت لاستقبال الناس. في البداية اندهشت لكثرة الناس الذين أتوا لتفقد الأشياء المعروضة. لكن حتى اليوم الثاني لم تكن قد باعت غير معدات كهربائية و كرسي هزاز. فكرت في أن تضع إعلانات في أماكن أخرى لأنها تريد أن تنتهي من بيع الأثاث حتى تتمكن من عرض الشقة للبيع.

كان من الممكن أن تبيع الشقة مفروشة. لكنها صممت أن تبيع الأثاث أولًا لتعارض فكرته. عندما قررا الطلاق، لم تتخيل أن يكون هادئًا وغير أناني. تخيلت أنه سيمارس أنانيته حتى النهاية. لكنه ترك لها عملية البيع بأكملها ليقتسما المال بعد الانتهاء من بيع كل شئ.

كانت تتمنى أن يكون اليوم الثالث آخر يوم لأنها قد ملت استقبال الناس. ذهبت لتجلس في غرفتها المفضلة. الجدران باللون السيمون الفاتح وقطع الأثاث الأرابيسك القديم. تحب كل قطعة أثاث في تلك الغرفة ما عدا اللوحة التي علقها هو في مواجهة النافذة. لم تعترض على تعليقها لكنها لم تر التشابه بينها وبين المرأة في اللوحة. تكره شعرها المعقوف عند رقبتها. يعطيها ذلك الانطباع بالهمجية وعدم الاكتراث برأي الشخص الذي ينظر إلى اللوحة. صمم على بيع اللوحة مع الأثاث وهي لم تعارضه مع أنها تعلم أهمية تلك اللوحة له. بالنسبة إليه هي الأولى من إشارات كثيرة كلها أكدت حتمية وجود كل منهما في حياة الآخر. تجلس وتنظر الى اللوحة. تنتظر شخصًا ما يأتي ويأخذها بعيدا عنها. تفكر أن اللوحة تصف علاقتهم جيدا: بلا اسم.



سَحَرْ

كانت متحمسة جدًا لبدء مشروعها الجديد. اقترح أحد أصدقائها أن تعطي دروسًا خصوصية لأنها كانت بحاجة إلى المال للسفر إلى إيطاليا. أعجبتها الفكرة وبدأت في أخذ الخطوات الأولى لتستعد لها. اقترحت أمها أن تعيد تنظيم ديكور غرفة المعيشة ليتسع المكان لوضع شيلو أخر في الغرفة. سمحت لها بإعادة طلاء الغرفة و تغيير الأثاث إذا أرادت.

أعادت طلاء الغرفة بلون بيج فاتح وتركت المكتبة في مكانها. بدلت مكان مكتبها، فوضعته في مواجهة النافذة بستائرها الجديدة. قررت بيع الأريكتين القديمتين لشراء أريكة أرابيسك كانت قد رأت إعلان بيعها في النادي. ذهبت لشراء الأريكة الجديدة بعدما انتهت من بيع الأثاث القديم. اشترت معها منضدة أرابيسك صغيرة لتضعها في ركن بجانب الاريكة، ولوحة زيتية دون اسم. وضعت اللوحة على الجدار المواجه للمكتبة فأعطت ألوانها الساخنة دفءً للغرفة. كان لون عيون المرأة في اللوحة هو نفس درجة لون خشب الشيلو الذي أخذ مكانه في منتصف الغرفة فوق سجادة يدوية.

صباح اليوم، أتى أصدقاؤها لرؤية الغرفة الجديدة. كانت قد وجدت للتو الاسم المناسب للوحة. كتبته على ورقة بيضاء صغيرة ولصقته في الركن الأسفل للبرواز. أشعرها هذا التغيير البسيط أن الغرفة قد اكتملت. هنأها أصدقاؤها على ذوقها وعلى تناسق الألوان. لكن أحدًا لم يلحظ الورقة الصغيرة أسفل البرواز. بعد مغادرة الجميع، لم تبق غير أقرب صديقاتها. سألتها باستعجاب إذا كانت قد أسمت اللوحة على اسمها. ضحكت حتى آلمتها عضلات بطنها. أجابتها بلمعة في عينيها محاولةً تهدئة ضحكتها: "سميتها سِحْرْ".