الأحد، 14 يونيو، 2009

بيت على البحر


لم تحب تغير خططها من اجل المناخ, فكانت تأتي - حتى في الشتاء – عندما تأخذ آي عطلات من العمل. دائما تخطط أيامها حسب أرصاد جوية لا يعرفها إلا هي.


لم يكن إلا قليل من البرودة في الهواء إلا أنها ارتدت روب كشمير ناعم فوق قميص النوم. لم تستطع النوم – من الحماس أم الملل؟ رفعت قدميها من على زجاج المنضدة الخشبية القديمة و اتجهت نحو الكاسيت لتنهي معاناته. لم يتغير مكانه منذ أن كانت ابنة سبع سنوات. أخرجت السلك من كهفه الصغير في الجدار بعد ما ضغطت على زر STOP . عادة لم تستطع التخلص منها منذ إزرق ابهمها الأيسر و هي صغيرة. تسألت عن تغير ذوقها في الموسيقى. ما الذي يدفعنا إلى الاستماع إلي موسيقى كرهناها يوم من الأيام و كره موسيقى حببنا الاستماع إليها و غنائها طوال الوقت؟ نفس الكاسيت لكن موسيقى مختلفة. بيتهوفن و باخ و موزات, استمتعت الجدران إليهما حتى وجدت هي موسيقى اكثر إزعاجا. حفرت في سنون سابقة لتتذكر إذا كان ذلك التغير مصحوب بشيء آخر غير الرغبة في الاختلاف عن أمها.



أطفأت كل الأنوار ماعدا واحد, تركت أباجورة على منضدة بجانب باب الفارندا ثم عادت إلى رف الشرائط فوق البوفيه. شريط أعطتها إياه أمها – افضل ما غنته ايلا فيتزجيرالد – بحثت عنه لتسمعه مع عمر عندما توقظه. تركت الشريط بطريقة عشوائية بجانب الكاسيت حتى لا يظن أنها فرضت عليه موسيقى لا يحبها. لماذا لا يحب ايلا فيتزجيرالد؟ غضبت من نفسها لان شئ صغير كهذا أزعجها. ذوقه في الموسيقى جزء منه, و هي لم تستمع إليها إلا من فترة قصيرة, بعد ما انتهت مرحلة الاستماع إلى موسيقى الروك. ابتسمت ابتسامة لانعكاس وجهها على زجاج الفراندا. هل كرهها لتلك الموسيقى الصاخبة ألان متصل بطلاقها من محمد؟ رتبت في رأسها أولا مراحل تغير ذوقها الموسيقي و الأسباب المحتمل أن يكون لها علاقة بتلك التغيرات قبل الإجابة على السؤال. لكنها عادت مرة اخرى إلي محمد و الموسيقى التي احبها و عزفها لها طوال الوقت. نفس الغرفة التي امتلأت يوما من الأيام بأغاني سيلين ديون الفرنسية - التي لن تفهم منها شيئا – امتلأت يوم من الأيام بالحان من جيتاره, بأغاني كتبها عن غضبه و حبه و آرائه هو.



شعرت باحتياج إلى الخروج إلى الفارندا. أزاحت الباب الالوميتال الزجاجي و دخلت حافية القدمين. لسعها الهواء ببرودته فلففت الروب حولها جيدا و ربطت شريطته كفيونكة كبيرة. انعكاس القمر على البحر كان مهزوزا, يتحرك مع حركة الأمواج الناعمة التي كانت تنتهي بوشوشة عالية رتيبة على الرمال و الصخور. قمرة – أحبت تأنيث الكلمة – في طريقها الى البدايات, إلى شريحة فضية منيرة. رأت من على بعد اقرب البيوت الى بيتها. تعجبت لكلمة بيتها و هي تتكرر داخل رأسها. يوما من الأيام كانت تقول بيتنا – قبل أن ترثه هي و اخاها. اختفت أخر أنوار البيت في زرقة الليل كشموع اطفأتها نسمة هواء قوية. الكل ينام ما عدا هي. شورت جينز و تي شيرت بيضاء و فستان قطن بورود ملونة – كانوا يرتدون صنادل جلد أهداها إليهم عمهم عند رجوعه من أمريكا. حينها لعبوا كرة مع اولاد لم يقابلوهم ثانيا. اقتربت من الزجاج لترى الساعة بالداخل بوضوح. الثالثة و النصف صباحا. لا يزال أمامها وقت لتخبز الكيكة.



استلقت على الأرض و وضعت كفيها تحت رأسها. رددت لنفسها طريقة عمل الكيكة بصوت عال كما كانت تفعل و هي صغيرة تقدم برنامجها الشهير للطهي. ضحكت لتسمع صوت ضحكتها, لم تتغير كثيرا. مازالت قصيرة و عالية و يتحرك معها جسدها كله. هي تضحك اكثر ألان, لماذا؟ لا تعرف. فقط تعرف أن منذ شهر بالتحديد, كان الصيف في أواخره و نامت هي و عمر في هذه الفرندا و تحت نفس النجوم و نفس القمر لكن بدون اللذعة الخريفية التي حملها الهواء ألان. ليلتها ضحكا كثيرا. تحفظ إيقاع ضحكته جيدا ألان, اكثر من شهر مضى. حاولت أن تصنع إيقاع في اذنيها للهواء و هو يمر بين ورقات الشجر و أي ثغرات أخرى بصفير حزين مُلح. دندنت بصوت عال أغنية لم تعرف كل كلماتها حتى وصلت للكلمات التي تعرفها ليتبع الهواء ايقاع الاغنية. "يا حلوة يا أم الضفاير, تارارارارا تارارارارا. يا حلوة يا أم الضفاير, يا حلوة يا أم الضفاااااير. تارارارارا."



لمست أطراف شعرها مفتقدة ضفائرها الطويلة. كبرت قليلا فاصباحا ضفيرة واحدة طويلة, من بدايات شعرها تأخذ خصلات صغيرة متداخلة في بعضها حتى تصل إلى منتصف ظهرها. في لحظة واحدة قصته كله. كان اسهل بكثير مما تخيلت. ذهبت إلى الكوافير و جلست شعرها مبلل ينزل من اطرافه قطرات مياة دافئة على يداها و داخل بلوزتها.

"عايزاه آلا جارسون يا عفاف." انتهت عفاف من القص و التجفيف و ظهر وجه أخر في المرآة. وجنتين بارزتين. تلألأ قرطها الفضي تحت أنوار المحل القوية. رأت حزن في سواد عيناها كانت قد تجاهلت وجوده لوقت طويل. أكثر ما آلمها هو انها لم تقصه يومها لانها دوما أرادت قصه هكذا. قصته لتغضب محمد. يكره الشعر القصير.


قامت بخفة و جلست القرفصاء بالقرب من السور. تمنت أن تتحرك الساعة الى 4 حتى تبدء في صنع الكيكة. اين وضعت الشموع؟ قررت أن تبحث عنهم بعد ما تضع الكيكة في الفرن. حاولت أن تفكر في أي شئ أخر غير قص شعرها. دائما تشعر بمذلة عندما تتذكر ما فعلته. كانت دائما تفعل اشياء كي تعاقب اناس أخرون و كل مرة فعلت فيها ذلك, انتهي الامر بزيادة آلمها هي. خبطت بأظافرها على السيراميك البارد. في الفترة الاخيرة كانت تتفاداه في المنزل. لكن ذلك اليوم تركت حقيبتها على السرير و ذهبت الى المطبخ. اخذت كوب زجاج كبير و فتحت صنور الماء البارد ليتدفق الماء في حبل الى الكوب. لحظتها تذوقت طعم حلو في الماء الفاتر. ضحك بهيستريا, اكتشفت أن علاقتهم انتهت و أن ذلك كان اسوء كوب ماء شربته في حياتها. اخرجت قدميها من الفجوات بين قضبان السور. نظرت الى اصابع قدميها – تحتاج طلاء اظافر جديد, لون صارخ و ساخن ليتماشى حالتها الأن – ربما أحمر. احمر داكن متوهج مثلها. ادخلت قدميها من بين القضبان و وقفت مستندة على السور. ارادت أن تغني بصمت عال, ارادت أن تصرخ و تبوح بما بداخلها. لثواني بدا لها القفز او محاولة الطيران الشئ الوحيد الذي ممكن أن يحررها. أخر مرة ضرخت فيها و هي في الشرفة وبخها اباها. انكمشت عيناه وسط تقلصات وجهه من الغضب. شعرت بكره غريب نحوه في تلك اللحظة. بعد موته لا تتذكر من الا ذلك الموقف. اعدلت عن الصراخ لان عمر نائم, لم ترد ايقاظته قبل أن تجهز الكيكة.


أخذت خطوة الى الخلف. استمعت الى انين الموج و ابتسمت لانها لم تصرخ. شعرت بكل الطاقة التي كانت ستطلقها مع عويلها تنبض بداخها. تحمست كما كانت تتحمس و هي تتكلم مع امها عن كتب و اصدقاء و اماكن احبتها. لم يكن عويلها صرخة آلم. كان نداء الى احد, ربما عمر, او امها. او ربما حنين الى محمد كان يراوغها احيانا. احبت كتمان النداء داخلها, كأنها تحفظه للحظة جموح تتوق اليها. تفادت تسأول اذا كان عمر بطريقة غير مباشرة هو الذي منعها من الصراخ. كرهت احساس أن رجل دفعها الى فعل شئ لم ترد فعله. فكرت في عمر غارقا وسط الوسادات و شفاه مفترقة قليلا. لم تصرخ لانها لم ترد أن تقلق نومه. هو لم يطلب منها ذلك. استدارت لتدخل الى الدفء. اعلمتها خفة في قلبها انها سكتت لانها اختارت أن تسكت, انها تحب عمر.انه اذا كان معها على الشرفة تحت هذا القمر, ملتحف بالهواء و زرقة الليل, كان صرخ معها. كان ملئ رئتيه بالهواء البارد و صرخ معها.


اخرجت كل ما تحتاجه و وضعته على طاولة المطبخ. دغدغت ذرات العرق رأسها فتركت الروب على اقرب كرسي اليها. الرابعة و الربع صباحا. قلبت البيض و السكر و الزيت حتى صار لونهم اصفر مبهج. رفعت عيناها تقائيا الى المطبقية لنفس درجة الاصفر. اطباق امها الصيني. اعتصر قلبها بموجة اشتياق اليها, الى رائحتها و الى الكيك التي طالما خبزته لهم. اضافت مزيج من الدقيق و الكاكاو و البيكنج باودر. ضحكت لانها حتى الان تخاف أن تتذوق الخليط البني اللزج قبل أن تضعه في الفرن. اكلته هي و اخاها مروان مرة و لم يكرراها ابدا – غضب امهم كان يؤلمهم اكثر من اي شئ اخر. تشاجرا عندما تزوجت محمد. اتهمها مروان بالهروب من مواجهة نفسها و تلبية رغباتها و طموحاتها. "جوازك من واحد خلاص لقى نفسه و مستعد انه يلاقيلك نفسك مش الطريقة اللي تحققي بيها ذاتك." فهمت كلامه بعد انقضاء سنوات من تصارع امرأة رسمها محمد و امرأة داخلها بدأت تسيطر على روحها و قلبها شئ بشئ. افتقدت هدوء اخاها, ستتصل به لاحقا. انزلت الخليط في شريطة سميكة في صينية مستديرة. بنفس هدوئه الذي اقنعها به و هما اطفال أنها اذا قرأت عن توت عنخ أمون ستحل بها لعنة الفراعنة, اقنعها وسط آلم الطلاق أنهما لم يقترفا اي اخطاء. كانا فقط مختلفان جدا. وضعت الصينية في الفرن و القت نظرة على الساعة لتتفقدها بعد 30 دقيقة.



غسلت الاواني التي استخدمتها و أعادت ما تبقى من الدقيق و السكر الى اماكنهم. تركت الشيكولاتة الخام على نار هادئة و انتظرت حتى تذوب. تذكرت ايلا فيتزجيرالد. هرعت الى غرفة المعيشة لتأخذ الشريط. في المطبخ, وضعته في الكاسيت الاحمر الصغير الذي تتركه دائما هناك. امها لم تطبخ الا و هي تستمع الى صوت قريب الى قلبها. هل هي فخورة بهم؟ بالرجل و المرأة اللذان كبرا و اصبحا هما؟ تعرف أن اذا كان ابوها على قيد الحياة لن تنل اعجابه. لكن حبه كان كافيا. اليس كذلك؟ نعم. قالت انفسها أن حبه كافيا. اخرجت الشموع من الدرج و وضعتهم بجانب الصحنان الصفراوين. فتحت الفرن لتخرج الكيكة و لوهلة امتزجت موسيقى الجاز الناعمة مع رائحة الشيكولاتة لتستحضر امها. هي فخورة بها و بأخاها, فخورة بعيناها الاثنين كما كانت تسميهم. نقلت الكيكة على صحن زجاجي كبير و كما فعلت امها تذوقت الصوص باصغر اصابعها. انسدل فوق القالب الاسود الساخن كشال حرير. نثرت حبات ملونة منمنة فوقه و دفست فيه كل ما عندها من شموع. ذهبت لتوقظ عمر و اخذت الروب معها.



غسلت قدميها قبل أن توقظه. هاجس من هواجسها الكثيرة. دخلت الى الغرفة و اضأت الاباجورة. بدا مستريحا وسط وسادتها الكثيرة. لعبت بخصلة من شعره, جذبتها سريعا عدة مرات حتى فتح عين واحدة. داخلها امرأة ترفض أن تريه احتياجها اليه و امرأة اخرى تعشقه و تغرقه في حبها. لحظة ما فهمها عرفت أن الحب كالاقمشة, منه خامات مختلفة. شئ بشئ احبت ملمس هذه الخامة – حريره – على جسدها و روحها. ربتت على ظهره النحيل حتى قام معها. اخذته كطفل الى المطبخ.



ضحك و قبلها. غسل وجهه عند الحوض. تمايل جسده قليلا و امسك بيدها ليلففها كراقص هاو. اعتصر خصرها تاركا نفسه لها. ايلا فيتزجيرالد لا تناسبه, لكن الليلة ليست كل ليلة. اطفأت الشموع معه و اكلا من الكيكة. فكرت في البيض و السكر و الدقيق و الزيت و الكاكاو. جزء من كل شئ ليس شئ واحد على حده, كل تلك الاشياء اضافت جزء صغير لصنع شئ اكبر و اجمل. قبّل رقبتها, "بحبك". المرأة التي يحبها اخذت بيض من احد و زيت من أخر. ربما اخذت الكثير من الكاكاو من محمد لكنه بالتأكيد كان ضروري. من امها اخذت السكر و قليل من ايقاع الجاز. اعطاها مروان من ابيض روحه. و اباها, ستعرف ما اعطاها فيما بعد – امامها وقت طويل. امسكت بيد عمر, اصابعه طويلة و نحيفة, تذكرها بالاقلام الرصاص التي تحب رائحتها. قبلت راحة يده اليمنى و لاول مرة لاحظت حسنة باهتة على اصغر اصابعه. لابد أن الحماس الذي بداخلها سببه انها عرفت استعدادها لرؤية الوان اخرى من روحها. بدأت اغنية جديدة فقفزت لترفع من صوت الكاسيت. اخذت ملعقة خشبية و غنت, الليلة, اخذت شئ صغير من ايلا فيتزجيرالد.

هناك تعليق واحد:

bluevoid يقول...

beautiful Zou! simply beautiful! you know usually what i like most about your writing are the little descriptive details and the very genuine narration.... they're very present here.. that aside.. the idea.. and how it manifests.. and how it develops... and the last paragraph... i love it bgad.

you're a real artist honey!